الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّيَامَ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ، وَمَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَوَاسِمِ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ مِنَ الْفَضْلِ وَالإِنْعَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَشَّرَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا وَالآثَامِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ السَّادَةِ الْأَعْلَامِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا مَا تَعَاقَبَتِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد:28].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ أُنْسٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَحَيَاةٌ لِلصَّالِحِينَ، وَمَيْدَانٌ لِلْعَابِدِينَ، تَتَنَزَّلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَتُفْتَحُ فِيهِ الْجَنَّاتُ، وَيَرْتَقِي فِيهِ الْمُؤْمِنُ الدَّرَجَاتِ، نَهَارُهُ صِيَامٌ، وَلَيْلُهُ قِيَامٌ، وَشِعَارُهُ الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185].
وَالْمُوَفَّقُ - حَقًّا- مَنِ اغْتَنَمَ أَيَّامَهُ بِحُسْنِ الصِّيَامِ، وَقَامَ لَيَالِيَهُ حَقَّ الْقِيَامِ، وَصَانَ جَوَارِحَهُ عَنِ الْخَطَايَا وَالآثَامِ، وَعَمَرَ بِالطَّاعَاتِ كُلَّ أَوْقَاتِهِ، وَاغْتَنَمَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ سَاعَاتِـهِ، فَطُوبَى لِمَنْ شَمَّرَ فِيهِ مُخْلِصًا، وَيَا حَسْرَةً عَلَى مَنْ يَكُونُ فِيهِ مُفْلِسًا.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ خَيْرَ مَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ شَهْرُ رَمَضَانَ: بِالْفَرَحِ بِقُدُومِهِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِهِلَالِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس:58].
وقَالَ مُجَاهِدٌ –رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة:24]: إِنَّ الأَيَّامَ الْخَالِيَةَ هِيَ أَيَّامُ الصِّيَامِ، أَيْ: كُلُوا وَاشْرَبُوا بَدَلَ مَا أَمْسَكْتُمْ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِوَجْهِ اللهِ.
فَيَا أَيُّهَا الْمَقْبُولُونَ: هَنِيئًا لَكُمْ، وَيَا أَيُّهَا الْمَرْدُودُونَ: جَبَرَ اللهُ مُصِيبَتَكُمْ.
وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْرَحُ بِقُدُومِهِ، وَيَسْتَبْشِرُ بِهِلَالِهِ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ: لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ –رَحِمَهُ اللهُ-: «وَأَمَّا فَرَحُهُ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، فَفِيمَا يَجِدُهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ ثَوَابِ الصِّيَامِ مُدَّخَرًا» [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ].
وَيُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، وَمِنْ كُلِّ الْآثَامِ وَالرَّزَايَا؛ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُذْنِبٍ وَمُقَصِّرٍ، وَاللهُ تَعَالَى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَوِزْرٍ؛ قَالَ تَعَالَى:{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضِ فَلَاةٍ» [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ].
وَيُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ فِي إِخْلَاصِ الْأَعْمَالِ وَإِتْقَانِهَا، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ وَإحْسَانِهَا؛ وَبِقَصْدِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ قَوْلًا وَعَمَلًا كَمَا وَرَدَ فِي شَرِيعَتِهِ؛ فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ وَالْمُتَابَعَةَ هُمَا رُكْنَا الْأَعْمَالِ؛ لِتُقْبَلَ عِنْدَ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ؛ وَلِذَا أَكَّدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ أَيَّمَا تَأْكِيدٍ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَيُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ كَذَلِكَ بِالْهِمَّةِ الْعَالِيَةِ الْقَوِيَّةِ، وَالْعَزِيمَةِ الْمَاضِيَةِ الْفَتِيَّةِ؛ الَّتِي تَطْمَحُ لِنَيْلِ الْمَعَالِي وَاكْتِسَابِهَا، وَتَنْأَى عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ بِاجْتِنَابِهَا، وَتَطْرُقُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَعَلَّ اللهَ يَجْعَلُهُ مِنْ أَصْحَابِهَا؛ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَرْضَى غَايَةً دُونَ الْجَنَّةِ، فَمَا عَلَى الرَّاغِبِينَ فِيهَا وَالْمُحِبِّينَ لَهَا إِلَّا أَنْ يُقْدِمُوا عَلَيْهَا، وَيُشَمِّرُوا إِلَيْهَا؛ إِذِ الأَبْوَابُ مُفَتَّحَةٌ وَالأَسْبَابُ مُهَيَّأَةٌ، فَطُوبَى لِلْمُشَمِّرِينَ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ أَيْ: عَمِلَ صِنْفَيْنِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ] نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ .
« فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟
قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ: وَيُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى مَا يُزَيِّنُ النُّفُوسَ وَيُزَكِّيهَا، وَبِالْإِحْجَامِ عَمَّا يَشِينُهَا وَيُدَسِّيهَا؛ فَشَهْرُ الصِّيَامِ فُرْصَةٌ لِتَتَزَكَّى النُّفُوسُ مِنْ أَوْضَارِهَا، وَتَنْطَلِقَ الأَرْوَاحُ مِنْ إِسَارِهَا؛ فَتُقْبِلَ عَلَى الْخَيْرِ وَتَكُفَّ عَنِ الشَّرِّ، فَتَرَى النَّاسَ مَا بَيْنَ مُفَطِّرٍ لِلصَّائِمِينَ، وَخَادِمٍ لِشَأْنِ الْقَائِمِينَ، وَقَارِئٍ لِكِتَابِ اللهِ الْمُبِينِ، وَوَاصِلٍ لِلرَّحِمِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِصِلَتِهَا، فَيَكْثُرُ الْخَيْرُ وَالْعَامِلُونَ بِهِ وَالدَّاعُونَ إِلَيْهِ، وَيَقِلُّ الشَّرُّ وَالْمُحَرِّضُونَ عَلَيْهِ، وَتَتَهَيَّأُ سُبُلُ الصَّلَاحِ لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ طُرُوقَهَا، وَتَنْكَمِشُ دَوَاعِي الْفَسَادِ أَمَامَ مَنْ يَوَدُّ سُلُوكَهَا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ: صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: ويُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ بِتَصْفِيَةِ النُّفُوسِ مِنَ الضَّغَائِنِ وَالأَحْقَادِ الَّتِي أَنْهَكَتِ الْقُوَى وَمَزَّقَتِ الْمُسْلِمِينَ، فَالَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ رَمَضَانُ عَاقّاً لِوَالَدَيْهِ، قَاطِعاً لأَرْحَامِهِ، هَاجِراً لإِخْوَانِهِ، أَفْعَالُهُ الْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183].
فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَمَنْ حَفِظَ صَوْمَهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَالزُّورِ وَالْجَهْلِ: فَقَدِ اتَّقَى اللهَ حَقِيقَةً لاَ تَصَنُّعاً، وَسَجِيَّةً لاَ تَكَلُّفاً.
ويُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ بِتَطْهِيرِ الأَمْوَالِ مِنَ الْحَرَامِ؛ فَشَهْرَ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ النَّفَحَاتِ وَالرَّحَمَاتِ وَالدَّعَوَاتِ.
وَالْمَالُ الْحَرَامُ سَبَبُ الْبَلاَءِ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْجَزَاءِ، لاَ يُسْتَجَابُ مَعَهُ الدُّعَاءُ، وَلاَ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ؛ فَمَا أَشَدَّهَا مِنْ حَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ أَنْ تَلْهَجَ الأَلْسُنُ بِالدُّعَاءِ وَلاَ اسْتِجَابَةَ، وَرَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [البقرة:186].
عِبَادَ اللهِ: ويُسْتَقْبَلُ رَمَضَانُ بتعلم أحكام الصيام، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا أَحْكَامَ دِينِهِمْ، وَيَتَفَقَّهُوا فِي شُؤُونِ عِبَادَاتِهِمْ؛ لِيَعْبُدُوا اللهَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، فَلَا يُدْرِكُوا فِيهَا جَهْلًا وَلَا تَقْصيرًا؛ كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [يوسف:108]، أَيْ: عَلَى عِلْمٍ وَدَلِيلٍ وَاضِحٍ, وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَفَقَّهَ فِي أَحْكَامِ الصِّيَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَتَعَلَّمَ آدَابَهُ الْمَرْعِيَّةَ؛ لِيَعْبُدَ اللهَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ وَتَوْفِيقِهِ تُبْلَغُ الْمَنَازِلُ وَالدَّرَجَاتُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَرَعَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ الطَّاعَاتِ، وَهَيَّأَ لَهُمْ مَيَادِينَ التَّنَافُسِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى سُوقِ الْحَسَنَاتِ وَأَرْبَحِ التِّجَارَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا رَزَقَكُمْ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: وَإِنَّ مِمَّا يُسْتَقْبَلُ بِهِ شَهْرُ الصِّيَامِ: أَنْ يَضَعَ الْمُسْلِمُ لِنَفْسِهِ خُطَّةً وَمَشْرُوعًا لِاغْتِنَامِ نَفْحَاتِ الشَّهْرِ الْمُبَارَكَةِ، مِنَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَالتَّصَدُّقِ وَتَفْطِيرِ الصُّوَّامِ، وَقِرَاءَةِ كِتَابِ اللهِ بِتَأَمُّلٍ وَتَدَبُّرٍ، وَاتِّعَاظٍ وَتَفَكُّرٍ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي مَشَارِيعِ الْخَيْرِ وَالْبَرِّ وَالْإِطْعَامِ، وَمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ وَالْأَرَامِلِ وَالْأَيْتَامِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ وَخَاصَّةً الْجِيرَانَ وَالْأَرْحَامَ.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ؛ قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ شَاكِرٍ].
فَحَرِيٌّ بِكُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَغْتَنِمَهُ فِي التَّزَوُّدِ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَيَكُفَّ فِيهِ عَنِ الْمَآثِمِ وَالْمُنْكَرَاتِ؛ لِئَلَّا يَخْسَرَ مَا اغْتَنَمَهُ مِنَ الْمَكَاسِبِ الْعَظِيمَةِ، وَلَا يُضَيِّعَ مَا كَسَبَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالأُجُورِ الْكَرِيمَةِ؛ فَالْعَاقِلُ لَا يُبَدِّدُ مَا حَصَّلَهُ فِي سُوقِ الْحَسَنَاتِ بِفِعْلِ مَا يُذْهِبُهَا لِيَرْجِعَ خَالِيَ الْوِفَاضِ دَائِمَ الحَسَرَاتِ؛ بِسَبَبِ مَا يُتَابِعُ مِنْ أَفْلَامٍ وَمُسَلْسَلَاتٍ، وَبَرَامِجَ وَمُسَابَقَاتٍ، وَأَغَانٍ وَمُنَوَّعَاتٍ، لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْهَا صَائِمُ النَّهَارِ وَقَائِمُ اللَّيْلِ بِفَائِدَةٍ مَرْجُوَّةٍ فِي دِينِهِ وَآخِرَتِهِ!!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» [رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ جَوَارِحَهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، فَيَصُونَ قَلْبَهُ عَنِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَسَائِرِ الأَدْوَاءِ، وَيُعِفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَالشَّتَائِمِ وَالسِّبَابِ، وَيُنَزِّهَ عَيْنَهُ عَنْ نَظْرَةِ الْحَرَامِ، وَيَنْأَى بِأُذِنِهِ وَسَائِرِ جَوَارِحِهِ عَنِ الآثَامِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا الصِّيَامِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ مُحَقِّقُهُ الأَرْنَاؤُوطُ].
فَحَافِظْ عَلَى صَوْمِكَ - يَا عَبْدَ اللهِ - مِنَ الزَّلَلِ، وَاحْذَرْ ذَهَابَ أَجْرِ الْعَمَلِ، فَأَنْتَ أَوْلَى بِحَسَنَاتِكَ وَأَفْقَرُ لِتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِكَ؛ قَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: "إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلاَ تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً" [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ].
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ.
.jpg)