الخطبة الأولى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ:
لقد جاء عددٌ من الأحاديث الصحيحة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تبيّن أن كثرة الزلازل في آخر الزمان ستكون علامةً واضحةً وبرهاناً ظاهراً على قرب قيام الساعة قرباً شديداً، كمثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن) رواه البخاري.
والزلازل: جمع زلزلة، وهي حركة الأرض واضطرابها، ومعنى: (يتقارب الزمان): تقل بركته، وتذهب فائدته.
وعن سلمة بن نفيل السكوني رضي الله عنه قال كنا جلوسا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (بين يدي الساعة مَوَتانٌ شديد، وبعده سنوات الزلازل) رواه أحمد، والمقصود بالموتان: كثرة الموت وانتشاره.
وعن عبد الله بن حوالة الأزدي رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان عنده فخاطبه قائلاً: (يا ابن حوالة، إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك) رواه البخاري.
في يوم من أيام الأسبوع الماضي كان المنظر يبعث في النفس الراحة والطمأنينة، ترى فيه جمال الحدائق في المدن العامرة، وحركة السكّان الكثيفة التي جعلت النهار معاشاً، والسعي في الصباح نحو الأرزاق بركة، ومناظر أخرى تشكّلت من ألوان الطيف كلّها لا تقلّ صفاءً وروعةً وبهاءً، فإذا بالأمر الإلهي يتنزّل: "كن"، فلا يفصل بين الأمرِ وتحقّقه شيءٌ من الزمن يُذكر، وبين غمضةِ عينٍ وانتباهتها يغيّر الله من حالٍ إلى حال.
تغيض الألوان الزاهية لتحلّ محلّها ألوان البؤس والحرمان الباهتة، لتُبرز حجم الكارثة التي حصلت: بيوتٌ مهدّمة، وأشلاءٌ ممزّقة، وجثثٌ متحلّلة، ورائحة الدمار، وألسن النيران تلتهم البقيّة الباقية من بسط الأرض الخضراء، وأناسٌ حيارى قد اعترتهم الصدمة القاسية، يذهبون ولكن إلى غير مكان، يتوجّهون ولكن إلى غير مقصد، سُكارى ولكن بخمرة المصيبة وقارعتها، رأيت هذا الوصف المجتزأ للمشاهد المروّعة التي حدثت في الأسبوع الماضي!
هذه هي صورة الكرب الإنساني المعروف باسم الزلازل، وهي حركة الأرض واهتزازها نتيجةً للضغط المخزون فيها والمتراكم عبر الوقت والحاصل بسبب حركة الصفائح الأرضيّة طيلة الوقت كما يقول علماء الجيولوجيا، ولن ينحو الحديث منحى بيان أسباب هذه الظاهرة الكونيّة أو تاريخها، بل سنذكر ارتباطها بنبوّات رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.
فمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْنَا: نِعْمَةُ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِي وَضَعَهَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ للأَنَامِ، وَجَعَلَ فِيهَا أَصْنَافَ الطَّعَامِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن: 10 - 13] جَعَلَهَا لَنَا ذَلُولاً نَعِيشُ عَلَى ظَهْرِهَا وَنَسِيرُ فِي فِجَاجِهَا، قَدْ أَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ، وَبَسَطَهَا ذُو الْجَلاَلِ، وَجَعَلَهَا مِنْ أَعْظَمِ الآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ خَلْقِهِ، وَعَظَمَةِ صُنْعَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ الْقَائِلُ : ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾
جَعَلَهَا قَرَارًا لِلْعِبَادِ سَاكِنَةً مُطْمَئِنَّةً ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾ [غافر: 64]؛ فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ آيَةٍ دَالَّةٍ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى!
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
تَأَمَّلُوا -يَا مُسْلِمُونَ- عِنْدَمَا تَتَحَرَّكُ الأَرْضُ الثَّابِتَةُ الْمُسْتَقِرَّةُ، وَتَهْتَزُّ مِنْ تَحْتِ النَّاسِ، يَحْدُثُ لَهُمُ الْهَلَعُ وَالْخَوْفُ وَالذُّعْرُ؛ بَلْ إِنَّ اهْتِزَازَها إِذَا اشْتَدَّ وَعَظُمَ، أَهْلَكَ مَنْ يَمْشِي عَلَيْهَا، وَمَا سَمِعْنَاهُ قَبْلَ أَيَّامٍ مِنْ زَلاَزِلَ مُدَمِّرَةٍ فِي سُورِيّا وَتُرْكِيَا لَهُوَ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ -جَلَّ وَعَلاَ- وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَأَنَّ لِحُدُوثِ الزَّلاَزِلِ وَغَيْرِهَا حِكَمًا وَدُرُوسًا يُدْرِكُهَا أَصْحَابُ الْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ:
فَمِنْ حِكَمِهَا وَدُرُوسِهَا:
1- التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ سُكُونِ الأَرْضِ وَتَسْخِيرِهَا لِلإِنْسَانِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [ يس: 33 – 35].
2- التَّذْكِيرُ بِوَحْدَانِيَّةِ وَكَمَالِ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَغَلَبَتِهِ الَّذِي لاَ يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، وَلاَ يَرُدُّ قَضَاءَهُ رَادٌّ؛ يَنْفُذُ أَمْرُهُ، وَيَمْضِي قَضَاؤُهُ فِي خَلْقِهِ ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 74].
3-تَخْوِيفُ الْعِبَادِ وَتَذْكِيرُهُمْ كَيْ يُحَاسِبُوا أَنْفُسَهُمْ، وَيَتُوبُوا إِلَى رَبِّهِمْ، وَيَجْتَنِبُوا مَا يُغْضِبُ خَالِقَهُمْ؛ وَلاَ يَغِيبُ عَنْ بَالِنَا قَوْلُ اللهِ - جَلَّ وَعَلاَ -: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
4- بَيَانُ شُؤْمِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَأَثَرِهَا السَّيِّئِ عَلَى الْفَرْدِ وَالأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَحَصَّنَ بِالإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهُمَا السَّبِيلُ الأَوْحَدُ لِحُصُولِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالْعَافِيَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾ [الأنعام: 120].
رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِه، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «يَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وَمَسْخٌ وَقَذْفٌ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا ظَهَرَ الْخَبَثُ» صححه الألباني.
وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الزَّلاَزِلُ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا وَتَطْهِيرًا وَرَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالْقَتْلُ» [صححه الألباني].
5- تَذْكِيرَ الْعِبَادِ بِالزَّلْزَلَةِ الْكُبْرَى، الَّتِي قَالَ اللهُ عَنْهَا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ [ الحج: 1-2 ].
فَلَقَدْ شَاهَدَ الْكَثِيرُونَ هَلَعَ النَّاسِ فِي زِلْزَالِ الدُّنْيَا، وَدَمَارِ دُورِهِمْ، وَسُقُوطِهَا عَلَى أُسَرِهِمْ، فَحَرِيٌّ بِنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَذَكَّرَ وَنَعْتَبِرَ بِمَا سَيَحْدُثُ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ.
6- بَذْلُ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ الْفِتَنِ عُمُومًا بِطَاعَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ، وَتَصْحِيحِ الْحَالِ، وَالإِكْثَارِ مِنَ الصَّدَقَةِ.وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ لاَ نَغْفُلَ عَنْ أَوْرَادِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ!
لاَ سِيَّمَا وَأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَسْبَابِ السَّلاَمَةِ مِنْ خَطَرِ الزَّلاَزِلِ وَالْخَسْفِ؛ فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَعُ هَؤُلاَءِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغَتَالَ مِنْ تَحْتِي»صححه الألباني
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: عباد الله
7- ابْتِلاَءُ رَبِّنَا لَنَا بِمُصَابِ إِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ، لِيَرَى مَاذَا نَصْنَعُ لِنُصْرَتِهِمْ، وَالْوُقُوفِ مَعَهُمْ إِخْوَانِنَا، وَنُسَارِعَ بِمَدِّ يَدِ الْعَوْنِ والْمُسَاعَدَةِ، وِالْوُقُوفِ مَعَ إِخْوَانِنَا فِيِ مُصَابِهِمْ ، وَأَنْ لاَ نَغْفُلَ بِالدُّعَاءِ لإِخْوَانِنَا بِأَنْ يَرْحَمَ اللهُ مَوْتَاهُمْ، وَيَشْفِيَ مَرْضَاهُمْ، وَيَرْفَعَ مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ وَبَلاَءٍ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
8- مِنْ رَحْمَةِ اللهِ سبحانه بِوُقوعِ الزَّلَازِلِ: أنَّه يَصْطَفِي بِسَبَبِها من الشُّهَداء؛ قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رواه البخاري ومسلم.
عباد الله: ويُسْتَحَبُّ - عِنْدَ وُقوعِ الزَّلازِلِ وغَيْرِها مِنَ الآياتِ العَظِيمَة: التَّضَرُّعُ إلى تعالى، والإنابةُ إليه، والإقلاعُ عن المعاصي، والمُبادرةُ إلى التَّوبةِ، والاستغفارِ، والإلحاحُ إليه بالدُّعاءِ، والذِّكْرِ، والصَّدَقَةِ، وغَيرِها من الأسبابِ التي يُسْتَدْفَعُ به العذابُ والنِّقَم.
قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 43]؛ وقال سبحانه: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33].
قال ابن تيمية رحمه الله: (السُّنَّةُ فِي أَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ: أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ عِنْدَ أَسْبَابِ الْخَيْرِ الظَّاهِرَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يَجْلِبُ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ، وَعِنْدَ أَسْبَابِ الشَّرِّ الظَّاهِرَةِ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ الشَّرَّ).
وفي حوادث سنة مائتين وثلاثة وثلاثين للهجرة، ذكر ابن عساكر رحمه الله في تاريخ دمشق فقال: "زلزلت دمشق يوم الخميس ضحى، فقطعت ربع الجامع، وتزايلت الحجارة العظام، يعني عن أماكنها، ووقعت المنارة، وسقطت القناطر، والمنازل، وامتدت في الغوطة، فأتت على داريا، والمزة، وبيت لهيا، وغيرها، وخرج الناس إلى المصلى يتضرعون، إلى قريب من نصف النهار، فسكنت الدنيا، وهذا هو الشاهد، خرج الناس إلى المصلى يتضرعون، إلى قريب من نصف النهار، فسكنت الدنيا، وعاد الأمر إلى الهدوء".
وبالنسبة لأرباب المدنيّة المعاصرة: فالزلازل ليست سوى تحرّكاتٍ في القشرة الأرضيّة والتواءاتٍ في الطبقات الصخريّة ليس لها بعدٌ غيبي أو كما يًعبّرون عنه: "ميتافيزقي"، وأنه يمكن التنبّؤ بمكان حدوث الزلازل وتحديد نطاقات الأحزمة الزلزاليّة، والتصوّر التقريبي غير الدقيق لموعد حدوث الزلازل، وكأننا نرى سورة الأنعام تفضح حالهم وتبيّن حقيقتهم: { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون} (الأنعام:43).
والرّد عليهم يكون ببيان أن كلّ ما يجري في الكون من أحداثٍ ومتغيّرات إنما هو جارٍ على سنن إلهيّة معلومة، والكون ناشيء على وفق قانون السببيّة، لكن معرفة هذه القوانين التي يسير الكون على وفقها لا تنفي وجود غاياتٍ غيبيّة يريدها خالق الكون ومدبره، ونحن المسلمين المؤمنين بالشريعة الربّانية ما ذكرنا هذه الأسباب الغيبيّة لحدوث هذه الزلازل استنتاجاً ولا من خلال دراسةٍ ميدانيّة تجريبيّة، ولكنّه قبسٌ من العلم مأخوذٍ من الحكيم العليم الذي بيّن لنا هذه القضيّة وربطها بالرابط المعنوي، ولا كلام بعد كلام من له العلم الكامل سبحانه وتعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت:52-53).
وفي النهاية: عباد الله: هل الزلازل ابتلاء أم عقوبة؟
ما هو الفرق بين أن تكون ابتلاءً أو عقوبة؟
إذا كانت ابتلاء فهي لتكفير ذنوب، إذا كانت ابتلاء لرفع درجات، وزيادة حسنات، فقد تكون لأتقى خلق الله، الابتلاء قد يكون لأتقى خلق الله، ولو لم يعمل معصية، يزيد الله في حسناته، ويرفع درجاته في الجنة.
أما إذا كان عقوبة فإنه يكون للمعصية، للشرك، للتوسل إلى الأموات، والطواف بالأضرحة والقبور، وتقبيل الأعتاب، وترك الشريعة، وتحكيم الجاهلية، والكفر بالله، وشرب الخمور، وارتكاب الموبقات، والملاهي، والمحرمات بأنواعها، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، ونحو ذلك، وتولي الكفر، والتبرؤ من الإسلام وأهله، هذه من أسباب العقوبة.
هل يمنع أن يكون الزلزال ابتلاءً وعقوبة في نفس الوقت؟
الجواب: كلا، فإنه ابتلاء للمؤمنين، فكل مؤمن أصابه من البلاء ما أصابه وهو طائع لله، يدعو إلى الله، متمسك بدين الله، موحد لله غير مشركٍ به، فإنه ابتلاء في حقه، فإذا مات، أو سقط عليه البناء، أو جرح، أو كسر، أو مات له أولاد، أو زوجة، أو أقرباء، وانهدم بيته، وتهشمت سيارته، وعدم أثاثه، ونحو ذلك، هذا في حقه ابتلاء، يزيد الله في حسناته، ويرفع في درجاته.
أما إذا كان من المتولين عن الله، المعادين لدين الله، الخارجين عن طاعة الله، فهذا في حقه عقوبة، وشر مستطير نزل به، قد يرجع إلى الله فيتوب، وهذا هو المرجو، الله عزوجل يذكرنا {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} سورة الأنعام42.
{ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}سورة آل عمران72، {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}سورة البقرة221.
وقد لا يحدث له إلا الزيادة في الكفر، والزيادة في المعاصي، {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا}سورة الإسراء60.
هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]،
اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمّدٍ، وعلى آلهِ الطاهرينَ وصحابتِه الميامينَ وأزواجِهِ أمّهاتِ المؤمنينَ ومنْ تبعهمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، وسلّمْ تسليمًا كثيرًا.
اللهمّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذلَّ الشّركَ والمشركينَ، ودمرْ أعداءَ الدينِ، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً وسائرَ بلادِ المسلمينَ.
اللهمَّ مَنْ أرادَنَا وأرادَ بلادَنَا بسوءٍ فرُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعلْ تدبيرَهُ دمارًا عليه.
اللهُمَّ إنَّك تعلَمُ حالَ إخوَانِنَا المُسلِمينَ المَنكُوبين، لا يخفَى عليكَ شَيءٌ مِن أَمرِهِم؛ اللهُمَّ فرِّجْ همَّهُم، واكْشِفْ كَرْبَهُم، وأصْلِحْ أحوَالَ عِبَادِكَ المؤمنينَ في كُلِّ مكانٍ يا ربَّ العالمين.
اللهم انا نعوذ بك من الغلا والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك، اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم؛ اجْعَلْنَا في ضَمَانِكَ وأمَانِكَ وإحْسَانِكَ يا أرحمَ الراحمين.
ربنَا آتِنَا في الدنْيَا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النَّارِ
سبحان ربِّك ربِّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.
.png)