الخطبة الأولى
ان الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"
عبادَ الله، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: ((إِنَّكُمْ مُلاَقُو اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا)) ، وجاء في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا)) قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟!»، قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)) .
يقوم الناس من قبورهم أولهم وآخرهم على هذه الصفة حافية أقدامهم، عارية أجسادهم، غرلا أي: غير مختونين، وتدنو الشمس منهم؛ فتصهرهم؛ فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه العرق إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.
وتنشر في ذلك اليوم الدَّواوين وهي صحائف الأعمال؛ فيأخذ المؤمنون كتابهم بأيمانهم مستبشرين، مغتبطين، ويأخذ الكفارُ كتابهم بشمائلهم، أو خلف ظهورهم حزنين خاسرين؛ أما المحاسبة فهي بالنسبة للمؤمن عرض فقط، ومن نوقش الحساب هلك، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر –رضي الله عنه-ما- قال: سمعت رسول الله يقول: “يُدعى المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه؛ فيقول: إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم؛ فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله”.
وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان؛ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه؛ فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه؛ فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، وفي رواية ولو بكلمة طيبة“.
ويقيم الله -عز وجل-على عباده شهداء على أعمالهم من أنفسهم قال الله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يس: 65].
وتنصب الموازين التي توزن بها أعمال العباد، (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) [المؤمنون: 102-103].وأول ما يحسب عليه العبد صلاته؛ فإن كانت صالحة أفلح ونجح، وإن كانت فاسدة خاب وخسر، ويقضى بين الخلائق؛ فتردُّ المظالم إلى أهلها من حسنات الظالم؛ فإن لم يبق شيءٌ من حسناته أخذ من سيئات المظلوم؛ فطرحت عليه ثم طرح في النار.
ثمَّ هنالك الصراط، وهو الجِسرُ المنصوب على متن جهنم، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً، ويلقى في جهنم؛ فيدعو النبي -صلى الله عليه وسلم-في ذلك اليوم: “اللهم سلِّم سلم“.
وفي عَرَصات يوم القيامة الحوض المورود للنبي -صلى الله عليه وسلم-طوله شهر، وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، و أحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، آنيته، كنجوم السماء في كثرتها، وحسنها، من شرب منه لم يظمأ بعدها أبداً؛ فيرد عليه المؤمنون من أمته غراً محجلين من آثار الوضوء، ورسول الله قائم عليه ينظر من يرد عليه من أمته؛ فيذاد عنه أناس؛ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم- أمتي؟ أمتي؟فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ ثم بعد عبور الناس على الصراط، يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض، وإذا هذِّبوا، ونقُّوا أذن لهم في دخول الجنة؛ فلا يدخلونها إلا بعد التهذيب والتنقية، كما قال تعالى: (طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر: 73]،قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنْزله كان له في الدنيا” رواه البخاري.
فإذا استقرَّ أهل الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، أُتي بالموت في صورة كبْش أملح، فيُوقَف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطَّلِعون وَجِلِين، ثم يُقال: يا أهل النار، فيطَّلِعون مُستبشِرين، فيقال: هل تعرفون هذا؟! فيقولون: نعم، وكلُّهم قد عرَفَه، فيقال: هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة: خُلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت.
بارَك اللهُ لي ولكُم في الكِتابِ والسّنّة، ونَفَعنا بمَا فيهمَا مِنَ الآياتِ والحِكمَة، أقول قولِي هذا، وأستَغفِر الله تعالى لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله تعظيمًا لشانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.أما بعد،
عباد الله: إن الإيمان باليوم الآخر لابد أن نتيقنه، وما يحصل فيه يجب أن يكون في قلوبنا من غير شك ولا مرية، نرى الجنة أمامنا دائمًا لا تغيب عنا، ونرى النار بهولها وعذابها وما فيها، وإن كانت لذاتِ حرامٍ تبعتها الحسرات، وفوق ذلك السيئات! إن أهنأ عيشةٍ قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حلّ!.
ولكن؛ يوم أن يدخلَ المرءُ الجنة فإنه سينعم ولن يبأس أبداً, وسيسعد ولن يشقى أبداً, لن يرى هناك غماً ولا هماً, لن يسمعَ هناك سوءاً ولن يلقى أذى, لن يلقى مرضاً ولا موتاً ولا هرماً مفنداً.
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيهـا
لا دار للمرء بعد المـوت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيـر طاب مسكنــه وإن بناها بشر خـاب بانيها
لا سواء بين نعيم الدنيا الزائل, ونعيم الجنة الدائم, وكيف يقدم المرء متعة دنيوية محرمة على طاعة ربه, ونعيم الدنيا كله لو جمع لم يساو شيئاً أمام ما في الجنة؟!.عند البخاري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَوْضِعُ قَدَمٍ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا,".
اللهم إنا نسألك نعيمًا لا ينفد وقرة عين لا تنقطع، ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفِّقه ووليَّ العهد لما فيه صلاح البلاد والعباد.
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا بسوءٍ فرُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه دمارًا عليه، اللهم انصُر جنودَنا المُرابِطين على حُدود بلادِنا، اللهم كُن لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا،
اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نَفَّسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عيباً إلا سترته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها بيسر منك وعافية، يا أرحم الراحمين!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
.png)