الحَمْدُ للهِ ذِي العِزَّةِ والاقْتِدَار، أحمَدُهُ سبحَانَهُ وهو الوَاحِدُ القهَّار، وأشكرُهُ على جَزِيلِ إنعَامِهِ وفَضْلِهِ المِدْرَار، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، العزيزُ الغفَّار، وأشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، النبيُّ المُجْتَبى والرَّسولُ المُختار، صلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عليه وعلى آلهِ الأبرار، وأصحَابِه الأخيار، والتابعينَ ومَنْ تَبِعَهُم بإحسَانٍ إلى يَومِ الدين.. أمَّا بعد: فأُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتقوَى الله، فاتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ الله، واعْلَمُوا أنَّ مَنْ مَلَكَ مِنَ الدُّنيَا مَا شَاء؛ خَرَجَ مِنهَا كَمَا جَاء.. (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
أيُّها المُؤمِنُون: المَالُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَظِيمَة، بهِ تُعْمَرُ الأَرض، وتُفَرَّجُ الكُرُوب، وتُقْضَى الحَاجَات، وتُؤْتَى المُرُوءَات، وتُكتَسَبُ المَحَامِد، قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: (نِعْمَ المَالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ) رواهُ البخاريُّ في الأدَبِ المُفرَد.. ولا يَقُومُ عَيْشُ النَّاسِ إلَّا بالمَال؛ ولِذَلِكَ زُيِّنَ لهم وحُبِّبَ إلى نُفُوسِهِم، قالَ جَلَّ شَأْنُه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ).
ومُعَامَلةُ النَّاسِ بالمَالِ؛ مِيزَانُ الأَخْلَاق، ومَيْدَانُ المُرُوءَاتِ؛ فمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّاسُ بالصِّدْقِ والأمَانَة؛ فذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صَلَاحِ دِيْنِه، وكَمَالِ عَقْلِه.. واللهُ تعَالى نَهَى عِبَادَهُ أنْ يَأْكُلَ بَعْضُهُمْ أَمْوَالَ بَعْض؛ لِمَا في ذَلِكَ مِنْ إِذْكَاءِ الشَّحْنَاءِ والعَدَاوَاتِ والبَغْضَاء، قالَ سُبْحَانَه: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ).
ومِنَ التَّعَامُلَاتِ المُحَرَّمَةِ -عِبَادَ الله-: الغِشُّ، والتَّلَاعُبُ بالسِّلَعِ، فعَنْ أبي هُرَيرَةَ ( أنَّ رَسُولَ اللهِ ( مَرَّ على صُبْرَةِ طَعَامٍ، فأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فقَال: (مَا هَذَا يا صَاحِبَ الطَّعَام؟) قال: أصَابَتْهُ السَّمَاءُ يا رَسُولَ الله، قال: (أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَام؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاس، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) رواه مسلم.. فَخَابَ وخَسِرَ مَنْ تَبَرَّأَ مِنهُ النبيُّ (!!
والوَاجِبُ عَلَى مَنْ بَاعَ سِلْعَةً فِيهَا عَيْبٌ أنْ يُبَيِّنَ هَذَا العَيْبَ لِلمُشْتَرِي ولا يَكْتُمَهُ؛ فعَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ( يَقُول: (المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم؛ لا يَحِلُّ لِمُسْلمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إلَّا بَيَّنَهُ له) رواه ابن ماجة بإسنادٍ حسن.
ومِمَّا يَجِبُ الحَذَرُ مِنْهُ أيضا: الإِضْرَارُ بالنَّاسِ بِرَفْعِ الأَسْعَار، والمُبَالَغَةِ في المَكَاسِب.. فمَنْ أرَادَ البَرَكَةَ والرَّحْمَةَ؛ فَعَلَيْهِ بالسَّمَاحَةِ، في بَيْعِهِ وشِرَائِه، وسَائِرِ مُعَامَلَاتِه.. عن جَابرِ بنِ عَبدِاللهِ رضي اللهُ عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ ( قال: (رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحًا إذَا بَاعَ، وإذَا اشْتَرَى، وإذَا اقْتَضَى) رواه البخاري.
ومِنَ الأُمُورِ التي يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ الحَذَرُ مِنهَا: احْتِكَارُ السِّلَع، وعَدَمُ مُرَاعَاةِ أَحْوَالِ النَّاسِ وحَاجَاتِهِمْ، قالَ (: (مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئ) رواه مسلم. وفي الحديث: (ومَنِ احْتَكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ؛ ضَرَبَهُ اللهُ بالجُذَامِ والإِفْلَاس) أخرجَهُ ابنُ ماجه، وقال المُنْذِري: وإسنَادُه جَيِّدٌ مُتَّصِل، ورُواتُهُ ثِقَات.
ومن المحرمات أيضا ظُلْمُ العَامِل، وأَكْلُ حَقِّه.. ومَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ يَوْمَ القِيَامَة، قالَ رَسُولُ اللهِ (: (قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ -وَذَكَرَ مِنْهُمْ:- وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) أخرجه البخاري.
اللهُمَّ بارِكْ لنا في القُرآنِ والسُّنَّة، وانفعنا بما فيهما مِنَ الآياتِ والحكمة.. أقولُ قولي هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم وللمسلمين والمسلماتِ فاستغفروه، إنَّه كان غفَّارا.
الخطبة الثانية/
الحَمْدُ للهِ على إِحْسَانِه، والشُّكرُ له على تَوفِيقِه وامْتِنَانِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهدُ أنَّ نبينا محمدًا عبدُه ورَسُولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابه، وسَلَّمَ تسليمًا مزيدًا.. أمَّا بَعد:
فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، واعْلَمُوا أنَّ العَبْدَ مَسْؤولٌ عَنْ مَالِهِ؛ مِنْ أينَ اكْتَسَبَهُ، وفِيْمَا أَنْفَقَه.. المَالُ مَالُ الله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ)، ويَدُ الإنْسَانِ فِيهِ يَدُ وَدِيعَةٍ: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)، ومَنْ أصَابَ المَالَ مِنْ حِلِّهِ فَذَلِكَ الذي يُبَارِكُ اللهُ لَهُ فِيه، ويَنَالُ الفَوْزَ في الدُّنْيَا والآخِرَة.. عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ ( عَنِ النبيِّ ( قال: (مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وعَمِلَ في سُنَّةٍ، وأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ؛ دَخَلَ الجنَّة) رواه الترمذي.
والوَاجِبُ عَلَى أَرْبَابِ التِّجَارَة، وأَصْحَابِ المُنْشَآتِ التِّجَارِيَة؛ تَقْوَى اللهِ تَعَالى، والالْتِزَامُ بالأَخْلَاقِ الشَّرْعِيَّة، والأَنْظِمَةِ المَرْعِيَّة، والتَّعْلِيمَاتِ الصَّادِرَةِ مِنَ الجِهَاتِ المُخْتَصَّة؛ حِفْظًا لِحُقُوقِ النَّاس، ومَصَالِحِ المُجْتَمَع.. (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ).
ألَا فاتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ الله، احْفَظُوا أَمْوَالَكُم، وطَيِّبُوا مَكَاسِبَكُم، فالمَالُ الحَرَامُ وإنْ كَثُرَ فهُوَ مَمْحُوقُ البَرَكَة، جَالِبٌ لِلشُّؤْمِ والمَصَائِب، مَانِعٌ للسَّعَادَة، مُغْضِبٌ للرَّب، وإنْ رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ؛ لا يُسْتَجَابُ دُعَاؤه، والعَاقِلُ مَنْ وَضَعَ المَالَ في يَدِهِ ولم يَجْعَلْهُ في قَلْبِه، واتَّقَى اللهَ فِيه.. خَرَجَ رِفَاعَةُ ( مَعَ النبيِّ ( إلى المُصَلَّى، فرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فقَال: (يا مَعْشَرَ التُّجَّار) فاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللهِ ( ورَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وأَبْصَارَهُمْ إليه، فقَال: (إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وبَرَّ وصَدَق) رواهُ الترمذي.
اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم؛ اكْفِنَا بحَلالِكَ عن حَرَامِك، اللهم اكْفِنَا بحَلالِكَ عن حَرَامِك، وأغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاك، واجْعَلْنا أغْنَى خَلْقِكَ بِك، وأفْقَرَ عِبَادِكَ إليك.
ثم صلُّوا وسلِّمُوا -رحمكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم اللهُ بذلك في كتابِه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الميامين، والخلفاء الأربعة الراشدين الأئمة المهديين: أبى بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، اللهم واحمِ حوزةَ الدين..
اللهم أصلح قلوبنا، واشرح صُدورَنا، ويسِّر أمورَنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا، وانصرِ اللهم جنودَنا، واحفظ رجالَ أمننا، اللهم اِرْبِطْ على قُلُوبِـهم، وثَبِّتْ أقدامَهُم، وانصُرهم على القومِ المعتدين، واخْلُفْهُم في أهليهِم بخيرٍ يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
ربنا تقبَّلْ منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُبْ علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
.jpeg)