موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

حفظ الجوارح| شكر نعمة الجوارح | خطبة الجمعة مكتوبة

 إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَلَقَدْ وَهَبَ اللهُ عَزَّ وجلَّ لَنا نِعَماً كَثِيرَةً لَا تُحْصَى؛ قالَ المُنْعِمُ سُبْحانَهُ وتعالَى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل:18].

 ومِنْ هذِهِ النِّعَمِ -إِخْوَةَ الإِسْلَامِ والإِيمَانِ-: نِعْمَةُ الجَوَارِحِ الَّتِي أَوْجَبَ اللهُ شُكْرَهَا: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]. 

فَمِنْ شُكْرِ نِعَمِ اللهِ أَنْ نَحْفَظَ هَذِهِ الجَوَارِحَ ونَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا أَمَرَنا بهِ اللهُ ورَسُولُهُ ، وقَدْ جُمِعَتْ هذِهِ الجَوَارِحُ السَّبْعَةُ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ رَواهُ مُسْلِمٌ يُبَيِّنُ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  أَنَّ الجَوَارِحَ عُرْضَةٌ لِلْمَعاصِي، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ نِعْمَةَ البَصَرِ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ إِذَا اسْتَخْدَمَها العَبْدُ في طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وجلَّ ، فَلا يَجُوزُ إِطْلَاقُ البَصَرِ فِيمَا يُسْخِطُ الرَّبَّ سُبْحانَهُ، كَالنَّظَرِ إلَى المُحَرَّماتِ والعَوْرَاتِ في الشَّاشاتِ ومَوَاقِعِ الإِنْتَرْنِتِّ والشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ، وفي الشَّوَارِعِ والسَّاحَاتِ إلَى الغَادِيَاتِ الرَّائِحَاتِ؛ فَالْبَصَرُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهامِ إِبْلِيسَ، بِسَبَبِهِ انْتَكَسَ مَنِ انْتَكَسَ عَنِ الدِّينِ وخَرَجَ عَنْ طَاعَةِ رَبِّ العَالَمِينَ، قالَ تعالَى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )[النور:30]، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «هَذا أَمْرٌ مِنَ اللهِ تعالَى لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، أَنْ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، فَلا يَنْظُرُوا إِلَّا لِمَا أَبَاحَ لَهُمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، وأَنْ يُغْمِضُوا أَبْصَارَهُمْ عَنِ المَحَارِمِ، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ وَقَعَ البَصَرُ علَى مُحَرَّمٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلْيَصْرِفْ بَصَرَهُ عَنْهُ سَرِيعاً، كَما في الحَدِيثِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ رضي الله عنه قالَ: « سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» [رواهُ مُسْلِمٌ].

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِـيٍّ: «يَا عَلِيُّ: لَا تُتْبِـعِ النَّظْرَةَ النَّظْـرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» [رواهُ أبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ]، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ» فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ» [رواهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا تَرَى أَعْيُنُهُمُ النَّارَ: عَيْنٌ حَرَسَتْ في سَبِيلِ اللهِ، وعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وعَيْنٌ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ» [رواهُ الطَّبَرَانِيُّ وصَحَّحَهُ الأَلبانِيُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ].

قالَ الإِمامُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَفْسِيرِهِ: «البَصَرُ هُوَ البَابُ الأَكْبَرُ إلَى القَلْبِ، وأَعْمَرُ طُرُقِ الحَوَاسِّ إِلَيْهِ، وَبِحَسَبِ ذَلكَ كَثُرَ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ، وَوَجَبَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ، وغَضُّهُ واجِبٌ عَنْ جَمِيعِ المُحَرَّماتِ وكُلِّ مَا يُخْشَى الفِتْنَةُ مِنْ أَجْلِهِ»، وقالَ الإِمامُ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ التَّقْوَى سَبَبٌ لِغَضِّ البَصَرِ وتَحْصِينِ الفَرْجِ».

أَيُّها النَّاسُ: إِنَّ نِعْمَةَ السَّمْعِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ، فَاحْفَظْهَا عَنْ سَمَاعِ ما حَرَّمَ اللهُ تعالَى ، فَلا بُدَّ مِنْ حِفْظِ هَذِهِ النِّعْمَةِ وشُكْرِهَا؛ لِأَنَّكَ سَتُسْأَلُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْها، قالَ تعالَى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا )[الإسراء:36]. 

فَلا تَسْتَمِعْ لِمَا يُغْضِبُ الرَّحْمَنَ: مِنْ كُفْرٍ وسَبٍّ وغِنَاءٍ وأَلْحَانٍ، لَا تَسْتَمِعْ لِدُعَاةِ الضَّلَالِ والأَهْوَاءِ، لَا تَسْتَمِـعِ القَبِيحَ مِنَ الكَلَامِ مِنْ غِيبَةٍ وكَذِبٍ وبُهْتَانٍ، ولَا تَكُنْ أَخِي مِمَّنْ أَعْرَضَ بِسَمْعِهِ عَنِ الحَقِّ فَتَنْدَمَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، قالَ تعالَى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ )[الملك:10]، ولَا تَسْتَمِعْ يا أَخِي لِحَدِيثِ قَوْمٍ وهُمْ لَكَ كَارِهُونَ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ- صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواهُ البُخَارِيُّ] [الْآنُكُ: الرَّصَاصُ المُذَابُ].

مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: إِنَّ مِنَ الجَوَارِحِ الَّتِي يَجِبُ حِفْظُهَا اللِّسَانَ، تِلْكَ الجَارِحَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْنا، فَسُبْحانَ الخَلَّاقِ الكَرِيمِ القَائِلِ: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ )[البلد:8-10]. 

فَهُوَ أَخْطَرُ جَارِحَةٍ في الإِنْسانِ؛ لِذَلِكَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحَذِّراً مِنْهُ قَائِلاً لِمُعَاذٍ رضي الله عنه: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟!. قالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» [رواهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ].

فَيا أَخِي احْفَظْ هَذِهِ الجَارِحَةَ مِنَ الكَذِبِ وشَهَادَةِ الزُّورِ والغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ، والبُهْتَانِ والقَذْفِ، والفُحْشِ والتَّكَلُّمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ قالَ تعالَى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18]. 

وقالَ تعالَى: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) [آل عمران:181].

فَرُبَّ كَلِمَةٍ قَالَتْ لِصَاحِبِهَا دَعْنِي ، فَخَيْرُ الكَلَامِ مَا نَفَعَ وقَلَّ ودَلَّ، وكَما قِيلَ: لِسَانُكَ حِصَانُكَ، إِنْ صُنْتَهُ صَانَكَ، وإِنْ خُنْتَهُ خَانَكَ، ومَنْ صَمَتَ نَجَا.

وقَدْ كانَ السَّلَفُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُمْ، مُمْتَثِلِينَ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ]، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» [رواهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ]، فَجَعَلُوا أَلْسِنَتَهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وقِرَاءَةِ القُرْآنِ، والكَلَامِ الطَّيِّبِ والأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» [رواهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فَتَدَبَّرْ أَخِي الكَرِيمَ هَذا الحَدِيثَ العَظِيمَ، والأَجْرَ الكَبِيرَ، واتَّقِ اللهَ في لِسَانِكَ، قالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ رَحِمَهُ اللهُ: «ما رَأَيْتُ أَحَداً لِسَانُهُ مِنْهُ عَلَى بالٍ إِلَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ في سَائِرِ عَمَلِهِ».

أَقُولُ قَوْلِي هَذا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي ولَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، والصَّلَاةُ والسَّلامُ علَى مَن لَّا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وعلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. 

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ –عِبَادَ اللهِ- ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تعالَى في السِّرِّ والعَلَنِ؛ فَهِيَ وصِيَّتُهُ لِلأَوَّلِينَ والآخِرِينَ.

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ – إِخْوَةَ الإِسلَامِ والإِيمَانِ-: حِفْظَ الجَوَارِحِ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ في كِتَابِهِ العَظِيمِ، وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ الكَرِيمِ، وحَسْبُنا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ - يَعْنِي لِسَانَهُ- وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ -يَعْنِي فَرْجَهُ- أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» [رواهُ البُخَارِيُّ].

فَمَنْ حافَظَ علَى جَوَارِحِهِ بِطَاعَةِ اللهِ فَإِنَّهُ يَمْشِي بِنُورٍ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وتعالَى كَما جاءَ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الصَّحِيحِ: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» [رواهُ البُخَارِيُّ]، ومَعْنَى ذَلِكَ كَما قالَ العُلَمَاءُ: أَنَّ اللهَ يُوَفِّقُهُ ويُسَدِّدُهُ في أَعْمَالِهِ وأَقْوَالِهِ، وسَمْعِهِ، وبَصَرِهِ وسَائِرِ جَوَارِحِهِ وأَعْضَائِهِ.

واعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ أَمِيرَ هَذِهِ الجَوَارِحِ كُلِّها هُوَ القَلْبُ، فَلا تَنْفَعُ الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ إِلَّا بِصَلَاحِ النِّيَّةِ والقَصْدِ بَاطِناً، فَإِذا صَلَحَتْ هَذِهِ المُضْغَةُ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ.

 قالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: «ومَنْ تَأَمَّلَ الشَّرِيعَةَ في مَصَادِرِها ومَوَارِدِهَا عَلِمَ ارْتِبَاطَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ بِأَعْمَالِ القُلُوبِ، وأَنَّها لَا تَنْفَعُ بِدُونِهَا، وأَنَّ أَعْمَالَ القُلُوبِ أَفْرَضُ علَى العَبْدِ مِنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ».

إِخْوانِيَ المُسْلِمِينَ: إِنَّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَحْذِيراً وإِنْذَاراً لِمَنِ اسْتَخْدَمَ بَصَرَهُ وسَمْعَهُ ولِسَانَهُ وقَلْبَهُ وسائِرَ جَوَارِحِهِ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ تَعالَى ورَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم لَاسِيَّما في مِثْلِ الشَّاشاتِ ومَوَاقِعِ الإِنْتَرْنِتِّ.

  هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]

اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ. 


حفظ الجوارح/ شكر نعمة الجوارح / خطبة الجمعة مكتوبة




عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي