إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الغُمَّةَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَامْتَثِلُوا أَمْرَ رَبِّكُمْ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) [آل عمران:103].
أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ: لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ أَشَدَّ الأَعْدَاءِ عَلَى الإِنْسَانِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ الَّذِي امْتَدَّتْ عَدَاوَتُهُ وَاشْتَدَّتْ ضَرَاوَةُ هَذِهِ العَدَاوَةِ كُلَّمَا مَضَتِ السِّنُونَ وَسَارَتِ الأَيَّامُ، فَعَدَاوَةُ الشَّيْطَانِ لِلإِنْسَانِ عَدَاوَةٌ مُمْتَدَّةٌ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَـمَّا صَوَّرَ اللهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ، تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ، عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ» وَالمُرَادُ: أَنَّهُ يُمْكِنُ التَّأْثِيرُ فِيهِ وَإِضْلَالُهُ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَصَلَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَنْ يَهْدَأَ لَهُ بَالٌ، وَلَنْ يَقَرَّ لَهُ قَرَارٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ وَعْدَهُ وَيُنْجِزَ قَسَمَهُ، قَالَ تَعَالَى حَاكِياً حَالَ الشَّيْطَانِ: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف:16-17].
ثُمَّ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا قَدْ أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَى الخَلْقِ بِتَحْذِيرِهِمْ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ وَتَنْبِيهِهِمْ إِلَى وَسَائِلِهِ وَطُرُقِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ) [الأعراف:27]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) [فاطر:6] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) [البقرة:168].
وَحَتَّى يَكُونَ الإِنْسَانُ عَلَى حَذَرٍ، هَا هِيَ بَعْضُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَكَائِدِهِ لِيَكُونَ المُؤْمِنُ مِنْهَا عَلَى بَصِيرَةٍ:
فَمِنْ أَسَالِيبِ الشَّيْطَانِ فِي إِغْوَاءِ بَنِي آدَمَ:
1- إِلْقَاءُ الشُّبُهَاتِ لِتَشْكِيكِ النَّاسِ فِي اعْتِقَادِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ، فَمَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ بِالإِنْسَانِ حَتَّى يُؤَدِّيَ بِهِ إِلَى فَسَادِ العَقِيدَةِ وَزَعْزَعَةِ الإِيمَانِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
- أَنْ يُشَكِّكَهُ فِي أَمْرِ الِاعْتِقَادِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَى التَّشْكِيكِ وَالتَّفْكِيرِ فِي ذَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا هَذَا الأَمْرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَبَيَّنَ المَخْرَجَ وَالعِلَاجَ فَقَالَ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ وَلْيَنْتَهِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِم].
2- وَمِنْ هَذِهِ الأَسَالِيبِ: تَزْيِينُ البَاطِلِ وَإِظْهَارُهُ بِمَظْهَرِ الحَقِّ.
إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْتِيَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ بِالبَاطِلِ عَلَى صُورَتِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا دَيْدَنُهُ قَلْبُ الحَقَائِقِ، وَطَرِيقَتُهُ تَزْيِينُ البَاطِلِ، وَعَادَتُهُ الإِغْوَاءُ؛ قَالَ تَعَالَى عَنِ الشَّيْطَانِ: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر:39].
وَهَذَا البَابُ الشَّيْطَانِيُّ مِنْ أَكْثَرِ الأَبْوَابِ الَّتِي تَمكَّنَ مِنْهَا الشَّيْطَانُ مِنَ الإِنْسَانِ، فَمَا وَقَعَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ إِلَّا مِنْ هَذَا البَابِ، وَمَا كَفَرَ مَنْ كَفَرَ، وَلَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ، وَلَا ابْتَدَعَ مَنِ ابْتَدَعَ، وَلَا عَصَى مَنْ عَصَى، إِلَّا مِنْ قِبَلِ تَزْيِينِ البَاطِلِ وَإِلْبَاسِهِ لُبُوسَ الحَقِّ.
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ:
3- وَمِنْ أَسَالِيبِ الشَّيْطَانِ كَذَلِكَ: تَسْمِيَةُ الأُمُورِ بِغَيْرِ مُسَمَّيَاتِهَا، فَالشَّيْطَانُ سَمَّى الشَّجَرَةَ الَّتِي نَهَى اللهُ آدَمَ عَنْهَا شَجَرَةَ الخُلْدِ، ثُمَّ وَرِثَ أَتْبَاعُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ هَذِهِ الصِّفَةَ، فَكُلُّ مَنْ سَمَّى المُحَرَّمَ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَفِيهِ شَبَهٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَهَا هِيَ الخَمْرُ سُمِّيَتْ مَشْرُوبَاتٍ رُوحِيَّةً، وَالرِّبَا فَائِدَةً، وَالقِمَارُ حَظّاً، وَالزِّنَا حُرِّيَّةً شَخْصِيَّةً، وَالرَّقْصُ وَالمَيَاعَةُ وَالخَلَاعَةُ فَنّاً، وَالإِفْسَادُ فِي الأَرْضِ جِهَاداً، وَإِهَانَةُ النَّاسِ وَتَتَبُّعُ عَوْرَاتِهِمْ وَالحَطُّ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ سَمُّوهُ حُرِّيَّةَ تَعْبِيرٍ، وَهَكَذَا.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا البَابِ أَيْضاً: تَسْمِيَةُ الأُمُورِ المَشْرُوعَةِ وَالفَرَائِضِ وَالمَنْدُوبَاتِ بِغَيْرِ اسْمِهَا، كُلُّ ذَلِكَ لِصَدِّ النَّاسِ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَدِينِهِ. وَإِلَّا بِمَاذَا نُفَسِّرُ مَنْ يُسَمِّي الجِهَادَ الـمَشْرُوعَ إِرْهَاباً، وَالتَّدَيُّنَ تَشَدُّداً, وَتَطْبِيقَ السُّنَنِ تَخَلُّفاً، وَحِجَابَ المَرْأَةِ رَجْعِيَّةً؟! فَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ انْتِكَاسُ المَفَاهِيمِ وَاخْتِلَالُ المَعَايِيرِ.
4- وَمِنْ خُطُوَاتِ الشَّيِطَانِ كَذَلِكَ: إِيقَاعُ النَّاسِ فِي الإِفْرَاطِ أَوِ التَّفْرِيطِ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: وَمَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْغَتَانِ: إِمَّا تَقْصِيرٌ وَتَفْرِيطٌ، وَإِمَّا إِفْرَاطٌ وَغُلُوٌّ، فَلَا يُبَالِي بِمَا ظَفِرَ مِنَ العَبْدِ مِنْ أَيِّ الخَطِيئَتَيْنِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا وَجَدَ فِي الإِنْسَانِ تَقْصِيراً أَوْ فُتُوراً دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا البَابِ فَثَبَّطَهُ وَكَسَّلَهُ، وَفَتَحَ لَهُ بَابَ التَأْوِيلَاتِ وَالرَّجَاءِ حَتَّى يَتْرُكَ العَبْدُ الوَاجِبَاتِ وَيَقَعَ فِي الـمُحَرَّمَاتِ، وَإِذَا وَجَدَ فِيهِ نَشَاطاً وَهِمَّةً دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا البَابِ، فَلَمْ يَزَلْ يَغُرُّهُ وَيُغْوِيهِ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ لَا يَكْفِي، وَيَحُثُّهُ عَلَى الِازْدِيَادِ مِنَ الطَاعَةِ, حَتَّى يَجْعَلَهُ لَا يَهْنَأُ بِنَوْمٍ، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّ مَنْ لَهُمْ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَيُدْخِلَ العَبْدَ حِينَئِذٍ فِي بَابِ الغُلُوِّ وَالبِدْعَةِ.
وَالسَّلَامَةُ مِنْ هَذَا المُنْزَلَقِ الخَطِيرِ هُوَ سُلُوكُ طَرِيقِ الوَسَطِ وَالعَدْلِ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:143].
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:
5- إِنَّ التَّسَلُّطَ عَلَى العِبَادِ بِالتَّسْوِيفِ مِنْ أَسَالِيبِ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ التَّسْوِيفِ أَيَّمَا تَحْذِيرٍ، وَالتَّسْوِيفُ هُوَ قَوْلُ العَبْدِ سَوْفَ أُصَلِّي، وَسَوْفَ أَتَصَدَّقُ، وَسَوْفَ أَحُجُّ، وَسَوْفَ أَتُوبُ حَتَّى يَنْقَطِعَ بِهِ السَّيْرُ عَلَى المُوَاصَلَةِ, وَالحَبْلُ عَلَى البُلُوغِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: كَمْ قَدْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ يَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ حُبُّ الإِسْلَامِ!! فَلَا يَزَالُ إِبْلِيسُ يُثَبِّطُهُ وَيَقُولُ: لَا تَعْجَلْ وَتَمَهَّلِ النَّظَرَ، فَيُسَوِّفَهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَاصِي.
وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: كُلَّمَا جَاءَ طَارِقُ الخَيْرِ صَرَفَهُ بَوَّابُ (لَعْلَّ وَعَسَى).
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أُنْذِرُكُمْ (سَوْفَ) فَإِنَّهَا أَكْبَرُ جُنُودِ إِبْلِيسَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ عَلَى جَزِيلِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى سَابِـــغِ جُودِهِ وَوَافِرِ نَعْمَائِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ، وَكُونُوا مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى فَوَعَدَهُمْ بِالْـمَغْفِرَةِ وَالأَجْرِ العَظِيمِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يُمَنِّي العِبَادَ وَيَعِدُهُمْ بِالْـمَوَاعِيدِ الكَاذِبَةِ: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) [النساء:120].
فَكَمْ مِنْ وَعْدٍ وَعَدَهُ عَدُوُّ اللهِ فَأَخْلَفَ وَعْدَهُ!!
فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَعَدَ المُشْرِكِينَ بِالنُّصْرَةِ حَتَّى تَشَكَّلَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ فَلَمَّا رَأَى جُنْدَ المَلَائِكَةِ فَرَّ وَهَرَبَ حَتَّى قِيلَ: إِلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ؟ قَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48].
وَالْـمَوْقِفُ ذَاتُهُ سَيَتَكَرَّرُ يَوْمَ القِيَامَةِ حِينَمَا يَخْطُبُ عَدُوُّ اللهِ فِي النَّارِ حِينَمَا يَلُومُهُ أَتْبَاعُهُ وَيُقَرِّعُهُ إِخْوَانُهُ، قَالَ تَعَالَى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم:22].
وَلِهَذَا حَذَّرَ اللهُ –سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِنْ تَتَبُّعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَالتَّدَرُّجِ فِي غَوَايَاتِهِ، فَمَنْ تَسَاهَلَ فِي النَّظَرِ إِلَى النِّسَاءِ أَدَّاهُ إِلَى الوُقُوعِ فِي الفَحْشَاءِ، وَمَنْ تَسَاهَلَ فِي إِطْلَاقِ العَنَانِ لِلِّسَانِ أَدَّاهُ إِلَى البَغْيِ وَالعَدَاءِ، وَمَنْ تَسَاهَلَ فِي أَدَاءِ حُقُوقِ الأَرْحَامِ وَالإِحْسَانِ إِلَى الوَالِدَيْنِ أَدَّاهُ إِلَى القَطِيعَةِ وَالعُقُوقِ.
العلاج من خطوات الشيطان :
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ: إِنَّ الـمَخْرَجَ مِنْ هَذَا البَلَاءِ وَالمُنْجِيَ مِنْ هَذِهِ الفِتْنَةِ يَكْمُنُ فِي:
1- الإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَالمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ.
2- وَالـمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ الفَرَائِضِ وَالوَاجِبَاتِ.
3- وَاجْتِنَابِ الـمَعَاصِي وَالـمُحَرَّمَاتِ.
4- وَالإِقْبَالِ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِالإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ - كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ».
5- وَمِمَّا يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ: الإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الطَّارِدَةِ لِلشَّيْطَانِ.
6- وَمِمَّا يُنَجِّي مِنْ مَكَائِدِهِ أَوَّلاً وَآخِراً: الِاعْتِمَادُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَإِخْلَاصُ العِبَادَةِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [الحجر:42].
إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى فِيهِ بِمَلاَئِكَتِهِ، وَثَلَّثَ بِكُمْ -مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ تَعَالَى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] .
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ: أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وعَلِيٍّ، وعَنْ سائِرِ الصَّحابَةِ أَجْمَعِينَ، والتَّابِعِينَ لَهُمْ وتَابِعِيهِمْ بِإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْ قُلُوبَنا بِالإِيمَانِ واليَقِينِ، وبِلَادَنَا بِالأَمْطَارِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ, وَدَمِّرِ اللَّهُمَّ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَات.
.png)