الخطبة الأولى
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمْنْ يَضْلُلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ يُبَيِّنُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ الإِفْلاَسِ، وَأَنَّ الْمُفْلِسَ الْحَقَّ مِنْ أُمَّتِهِ -وَإِنْ كَانَ ثَرِيًّا- مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ؛ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.
نَعَمْ -عِبَادَ اللهِ- يَأْتِي بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَأَعْمَالِ بِرٍّ وَصِلَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ تَذْهَبُ لِغَيْرِهِ؛ مِمَّنْ شَتَمَهُمْ وَقَذَفَهُمْ وَأَكَلَ مَالَهُمْ وَسَفَكَ دِمَائَهُمْ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}.
فَالْمُسْلِمُ الرَّابِحُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ مَنْ أَدَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَّ خَلْقِهِ. وَالَّتِي مِنْهَا كَفُّ الأَذَى عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ...» الحَدِيثُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَفُّ اللِّسَانِ يَكُونُ بِتَرْكِ الْغِيبَةِ, وَهِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، وَكَذَلِكَ بِتَرْكِ النَّمِيمَةِ, وَهِيَ نَقْلُ الْكَلاَمِ الَّذِي يُثِيرُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ بِتَرْكِ السَّبِّ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالسُّخْرِيَةِ وَالْعِبَارَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى احْتِقَارِ الْمُسْلِمِ وَالتَّعَالِي عَلَيْهِ, أَوْ إِهَانَتِهِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ التُّهَمُ الَّتِي تُلْقَى جُزَافًا بِلاَ بَيِّنَةٍ, وَاللهُ يَقُولُ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، زَادَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: وَمَا رَدْغَةُ الْخَبَالِ؟ فَقَالَ: «عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» نَسْأَلُ اللهَ السَّلاَمَةَ وَالْعَافِيَةَ.
وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شَرِّ يَدِهِ، فَلاَ يُؤْذِ أَحَدًا بِضَرْبٍ أَوْ قَتْلٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ كِتَابَةِ مَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ فِي عَقِيدَتِهِمْ وَأَخْلاَقِهِمْ، أَوْ يَخْدِشُ فِي أَعْرَاضِهِمْ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حُقُوقِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الظُّلْمِ وَالْمُعَامَلاَتِ الْمُحَرَّمَةِ. وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ أَذِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَقْضِي عَلَى حَسَنَاتِ الْمَرْءِ فِي الآخِرَةِ.
أَقَوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى لِي وَلَكُمْ ولجميعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَلِّ ذَنْبٍ فَاِسْتَغْفَرُوهُ، إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرحيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَاِمْتِنانَهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدِهُ لَا شَرَيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيه وَعَلَى آلِه وَأَصْحَابَهُ. أَمَّا بَعْدُ :
عباد الله: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) البخاري
فالقصاص بين البشر في الآخرة في الحسنات والسيئات؛ أخذاً وإعطاءً، في يوم تظهر فيه السرائر، وتنطق الجوارح ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾الحاقة١٨ ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾الزمر٤٧ وكل أعمالِنا محصاه، قال تعالى:﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾الجاثية6
وستظهر أعمالنا يوم القيامة يقول تعالى ذكره: (ونُخرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابا يَلقاهُ مَنْشُورًا﴾ فيقال له ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ الإسراء
عباد الله: خلصوا رقابكم من حقوق الخلق ما استطعتم إلى ذلك سبيلا في الدنيا، فإن أسير الآخرة غير مفكوك، كل نفس بما كسبت رهينة، إلا أصحاب اليمين، فخلص نفسك، ولك في رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام أسوة حسنة.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولك محمّد صاحبِ الحوض المورودِ واللّواء المعقود، وأورِدنا حوضَه، واحشرنا تحت لِوائه، وارضَ اللهم عن صحابة نبيك أجمعين...
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِهُدَاكَ وَاجْعَلْ عَمَلَنَا فِي رِضَاكَ، اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حقَّاً وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَينَا الإيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهِ إلَينَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ،
اللهم اغفِر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، ربَّنا اغفِر لنا ولوالدِينا، وارحَمهم كما ربَّونا صِغارًا،
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
