موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مثاقيل الحسنات والسيئات| خطبة الجمعة مكتوبة | عبدالغفار العماوي

 الخطبة الأولى

ان الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" 

أَمَّا بَعْدُ: عباد الله، نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِ الآخِرَةِ؛ مَا يُحْيِي القلوبَ السَّادِرَةِ، وَيُوْقِظُ النُّفُوْسَ اللَّاهِيَةِ, يومُ الآزِفَةِ أَهْوَالٌ وَفَظَائِع، وَخُطُوبٌ وَشَنَائِع، صَوَّرها القُرْآنُ وَأَعَادَ.

تأَمَّلْ مَعِيَ شيئاً مِنْ هذا الموقف؛ رَجَفَتِ الرَّاجِفَةُ، تَبعَتْهَا الرَّادِفَةُ، وَقَامَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، عارِيةً أبدانُهم، شاخصةً أبصارُهم، حافِيةً أقدامُهم، ذابِلةً شِفاهُهم، قد انخلعتْ قلوبُهم مِنْ هَوْلِ ما يَرَوْنَ؛ (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)[هود: 103].

في ذلك اليوم؛ يَفِرُّ المرءُ مِنْ أَخِيْهِ، وأمِّهِ وأَبِيْه، وزوجَتِه وَبَنِيْه؛ لكل امرئ منهم يومئذٍ شأنٌ يُغنيه.

في ذلك اليوم؛ يقول الكافرُ: (يا ليتني كنتُ ترابا)!، ويودُّ المجرم لو يَفْتدي بِمَنْ في الأرض جميعا؛ ليكون من الناجين.

في ذلك اليوم؛ يُنصب الميزان؛ لِيُوزن به أعمالُ كلِّ إنسان، ميزانٌ حسَّاسٌ دَقِيْقٌ، يَحْسُبُ الذَّراتِ والنَّقِيْر، والفَتِيْلَ والقِطْمِيْرَ؛ (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء: 47].

عند الميزان تَطِيْشُ العُقول، ويـَحْصُلُ الذُّهولُ، وتَقُفُّ الشعور، فلا يَذْكُرُ العبدُ إلا نفسَهُ، فما بعد الميزان  إلا الجنة أو النار؛ (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)[المؤمنون: 102، 103].

بَكَتْ أُمُّنَا أَمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- يَوْمًا، فَسَأَلَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ سَبَبِ بُكَائِهَا؟؛ فَقَالَتْ: "ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟"، فَقَالَ -عليه الصلاة والسلام-: "أَمَّا فِي ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ المِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ؟، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ؛ فِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ حَتَّى يَجُوزَ؟".

في ذلك الموقفِ أغلى أُمْنِياتِ العبدِ حسنةٌ تُضافُ إلى ميزانِه، فما بالكم إذا جاءت تلك الحسنةُ وهي ثَقِيْلةٌ عظيمةٌ في الميزان؛ فأيُّ شعورٍ سَيَلْقَاهُ ذلك الإنسانُ؟! وأيُّ فرحةٍ تَغْمُرُ فؤادَهُ، وتَلُفُّ كَيَانْه؟!.

ابشروا -يا أهل الإيمان- فثمَّةَ أعمالٌ صالحات، وطاعاتٌ يسيرات، تثقُلُ بها الموازِينُ، حرِيٌّ بكلِّ عَبْدٍ يَخشى ذلك اليوم ويَوْجل، أن يتلمَّسها ويَتَمَسَّكَ بها ويَعْمَل.

أولى تلك الأعمال التي تثقل في الميزان:

1- تحقيق التوحيد، للملك المجيد، إذا استقرَّ التوحيد في قيعان القلوب؛ أثمر إخلاصاً لله وحباً، وتوكلاً عليه وترهباً؛ فلا يدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه، لا يستغيث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يحلف إلا به, لا يتخذ من دون الله متبوعين، هذا العبد قال صدقاً، وعَمِلَ حقاً بكلمةِ التوحيدِ "لا إله إلا الله"؛ فلذلك تثقل في ميزانه، وتنجيه لا إله إلا الله.

2- ومن أعظم ما تثقُلُ به الموازِينُ : أن يتحلى العبد بمكارم الأخلاق، ونبل الآداب، حدثنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقَلُ من حُسن الخُلُق"(رواه أبو داو د)

3- عباد الله : وأَيْسَرُ ما تَثْقُلُ به الموازين، وكم نحن فيه من المفرطين: هو ذِكرُ الله -تعالى-؛ فأذكار مخصوصات، وأوراد معلومات، محبَّبة للملك الكريم؛ (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فصلت: 35]..

 يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: "كلِمتانِ خفيفَتَانِ على اللِّسانِ، ثقِيلَتَان في الميزان، حبِيبَتَانِ إلى الرحمن: سُبحان الله وبحمدِه، سُبحان الله العظيم".

 وفي صحيح مسلم يقول -صلى الله عليه وسلم- قال: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ لله تملأُ الميزانَ، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ ما بين السماوات والأرض".

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المسلمينَ من كلِّ ذَنبٍ فاستغفروهُ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرا.

أما بعد:

إخوة الإيمان : وكما يثقل الميزان بأعمال صالحات؛ كذلك السيئات، ثقل في الميزان وتعظم، وثِقَلُها من حيث الكيف وليس العدد، فتعظم إذا كانت في مكانٍ شريف، كحرم الله؛ (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[الحج: 25]، فإذا كان هذا وعيد من أراد السيئة، فكيف بمن فعلها؟!.

وتعظم إذا كانت في زمن فاضل؛ قال -تعالى- عن الأشهُر الحرم: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التوبة: 36].

وتعظم السيّئة -أيضًا- إذا صدرت ممَّن هو قدوة للنَّاس، ومحلٌّ للتأسِّي به؛ (يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ)[الأحزاب: 30].

فحري بكل مؤمن أن يفقه مثاقيل الحسنات والسيئات، وألا يستحقر شيئاً منها؛ فلا يدري لربما كان ما صغَّرتْهُ العينان سبباً لدخول الجنان، أو البوار في النيران!.

ورَحِمَ اللهُ عبداً تَدَارَكَ نفْسَهُ قَبْلَ الفَوَاتِ؛ فَلَزِمَ صَالِحَ الطَّاعَاتِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالحاتِ، فَمَنْ زَرَعَ فِي دُنْيَاهُ، حَصَدَ فِي أُخْرَاهُ، وَمَنْ تَغَافَلَ عَنْ بَذْرِ الْحَصَادِ، تَأَوَّهَ نَادِمًا يَوْمَ التَّنَادِ.

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)

اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولك محمّد

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين.

.. اللهم إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك وتحوُّلِ عافيتِك وفُجاءةِ نقمتِك وجَميعِ سَخطِك

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. 

اللهم اغفِر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، ربَّنا اغفِر لنا ولوالدِينا، وارحَمهم كما ربَّونا صِغارًا 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين

مثاقيل الحسنات والسيئات| خطبة الجمعة مكتوبة | عبدالغفار العماوي


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي