الحمدُ لله، العزيزِ الغَفُور، الحَليمِ الشَّكُور؛ يُقِيلُ العَثَرات، ويُجِيبُ الدَّعَوَات، ويَرْفَعُ الدَّرَجَات، وأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، مُغِيْثُ اللهَفَات، ومُفَرِّجُ الكُرُبَات، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورسُولُه، عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ: الصَّلَوَاتُ الطيِّبَات، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وبارَكَ عَليه، وعلى آلِهِ وأصحَابِهِ وأتبَاعِهِ إلى يَومِ الدِّينِ.. أَمَّا بَعْدُ عِبادَ الله: فَأُوصِي نَفْسِي وإيَّاكم بتقوَى اللهِ عزَّ وجَلّ، اتَّقوا اللهَ رحمكمُ الله، مَن اتَّقى الحِسَاب، وخَافَ يومَ المآب؛ توَرَّعَ في الاكتِسَاب، ومَنْ قَنِعَ باليَسيرِ، وخَافَ مِن يَومِ العُبورِ علَى السَّعِير؛ هانَ عَليهِ العَسِير.. (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).
عِبادَ الله: قَصَّ اللهُ في كِتَابِهِ خَبَرَ أُمَّةٍ لم يُرَ في زَمَانِهَا مِثلُهَا في القوَّةِ والاستِكبَار.. سُمِّيَتْ سورةٌ في القُرآنِ باسْمِ نبيِّها: هودٌ ، وسُورَةٌ أُخرَى باسْمِ مَكَانِها في اليمن: الأحقاف.
كَانُوا أعظَمَ أَهْلِ زَمَانِهِمْ خَلْقًا، وأَطْوَلَهُمْ أبدَانًا، وأَشَدَّهُمْ بَطْشًا، قالَ عزَّ وجَلّ: (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً).
ومَسَاكِنُهُمْ أعظَمُ مَا تَرَى وأَجْمَلُه، ذَوَاتُ أَعْمِدَةٍ وبُنْيَانٍ مُرتَفِع: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ* إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ): أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِقَوْمِ عَاد: قَبِيلَةِ إِرَمَ، ذَاتِ القُوَّة، والأَبْنِيَةِ المَرفُوعَةِ علَى الأَعمِدَة.
أَتْرَفُوا أَنْفُسَهُمْ في مَسَاكِنِهِمْ، فكَانُوا يَبْنُونَ في كُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِع: أَبْنِيَةً.. لا يَحْتَاجُونَ إليهَا في سَكَنٍ ولا حَرْبٍ ولا تجَارة؛ بلْ عَبَثًا ولَهْوًا، وتَكاثُرًا ومُفَاخَرَة، يَبْنُونَ مَا لا يَسْكُنُون، فأَنْكَرَ عَليهِمْ نَبِيُّهُمْ ذلك: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ).
فتَحَ اللهُ عليهِمْ أبوَابَ رِزْقِه، فزَادَتْ أَمْوَالُهُم، وكَثُرَتْ أبنَاؤُهم، وأَنْبَتَ لهُمُ الزُّرُوع، وفَجَّرَ لهُمُ العُيُون، قالَ لهُمْ نَبِيُّهُم: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ* وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ).
وأمَرَهُمْ أنْ يَتَذَكَّرُوا نِعَمَ الله، ويَشْكُروهُ ويَعبُدُوه؛ لِيَفُوزُوا برِضَاه، وسَعَادَةِ الدَّارَين: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
فقَابَلُوا نِعَمَ اللهِ؛ بالجُحُودِ والكُفْرِ والنُّكْرَان، وعَبَدُوا الأصْنَام، وهم أوَّلُ مَنْ عَبَدَها بعدَ الطُّوفَان: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ).
دَعَاهُمْ هُودٌ ( إلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وتَوحِيدِهِ بالطَّاعة، ونَبْذِ الأَوْثَان: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
فاسْتَخَفُّوا بنَبِيِّهِمْ، ورَمَوْهُ بالجُنُون، وأصَرُّوا علَى الشِّرك، وقَالُوا له: (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ) أي: أصابَكَ (بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) أيْ: بِجُنُونٍ في عَقْلِك، وسَخِرُوا مِنْهُ وقالوا: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ)، وقَالُوا له: (وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)، ورَدُّوا دَعْوَتَه، واسْتَكبَرُوا عَنْها، وقالوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ).
وأَنْكَرُوا البَعثَ والنُّشُور، وقالَ بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)، واسْتَبْعَدُوا يَومَ الحَشْرِ، فقَالُوا: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ). ظَلَمُوا ضَعِيفَهُمْ: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ).
واللهُ عزَّ وجَلَّ يُمْلِي للظَّالِم، فإذا أَخَذَهُ لم يُفْلِتْه.. سَخِرُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ وبِمَا دَعَاهُمْ إليهِ مِنَ التَّوحِيد، وقَالوا: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) أي: مِنَ العَذَاب (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
فاسْتَدْرَجَهُمُ اللهُ مِنْ حَيثُ لا يَعْلَمُون.. فأَمْسَكَ عَنْهُمُ القَطْر، فأَجْدَبَتِ الأَرضُ، ثم سَاقَ اللهُ إليهم سَحَابَة، فلَمَّا رَأَوْهَا مُسْتَقبِلةً أَوْدِيَتَهُم: اسْتَبْشَرُوا، وقَالوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)، قالَ الله: (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) أي: مِنَ العَذَاب؛ (رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) سَلَّطَهَا عَليْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أيَّامٍ؛ حُسُومًا دَائِمَةً؛ لم تَنْقَطِعْ عنهم لَحْظَةً، فكانَتْ رِيْحًا لا خَيرَ فِيهَا ولا بَرَكَة: لا تُلقِّحُ شَجَرًا، ولا تَحْمِلُ مَطَرًا.. لها صَوتٌ قَويٌّ، وأَزِيزٌ مُفْزِع، (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)، (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا) أَهْلَكَتْهُ، وجَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ.
فأبَادَهُمُ الله، ولم تَبْقَ لهُمْ بَاقِيَة، (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ)، وأَتْبَعَهُمُ اللهُ في هذهِ الدُّنيا لَعْنَةً، ويَومَ القِيَامَة، وجَعَلَهُمْ عِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُم.. ومَا أَهْوَنَ الخلقِ على الله؛ إنْ هُمْ كَفَرُوا بآيَاتِهِ وعَصَوا رُسُلَه، قالَ سُبحَانَه: (لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ).
الدروس والعبر:
ألَا فاتَّقوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، واسْتَغْفِرُوا ربَّكم، أطِيعُوهُ ولا تَعْصُوه، واشْكُرُوهُ ولا تَكْفُرُوه، واقْدُرُوهُ حَقَّ قَدْرِه، لا تَسْتَهِينُوا بِحُرُماتِه، ولا تَأْمَنُوا مَكْرَهُ وعَذَابَه، واعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ، وبِمَا في كِتَابِ ربِّكُم: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
نفعني اللهُ وإيَّاكم بهَدي كتابِه وبسنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائرِ المُسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية/
الحمدُ لله، صلَّى اللهُ على نبيِّنا محمد، وعلى آلهِ وأصحَابِه ومَن والاه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أما بعدُ عِبادَ الله:
رَبُّكُم جَلَّ وعَلا مُطَّلِعٌ علَى عِبَادِه، رَقِيبٌ عَليهِمْ، مَنْ كَفَرَ بهِ أذَلَّه، ومَنْ لم يَشْكُرْ نِعَمَهُ سَلَبَها مِنه؛ قَويٌّ لا يُقْهَر، عَزِيزٌ لا يُغْلَب، لَهُ القُوَّةُ جَمِيعًا، لا يَعْلَمُ جُنُودَهُ إلَّا هُو، كَبِيرٌ مُتَعَالٍ، أَمْرُهُ كَلَمْحِ البَصَرِ أو هُوَ أَقْرَب، بيَدِهِ مَلَكُوتُ كلِّ شَيء، وهو يُجيرُ ولا يُجَارُ عَليه.
وقُوَّةُ الخَلْقِ لا تَمْنَعُ مِنْ عَذَابِ الله: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ).
1- فقد اسْتَكْبَرَ قَومُ عَادٍ، وقَالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؛ فأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِالهَوَاء.
2- ونَهْجُ المُرْسَلِين: طَلَبُ النَّصْرِ مِنَ الله؛ لمَّا اسْتُضْعِفَ هودٌ ( مِنْ قَومِهِ، قال: (رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ)، وفوَّضَ أَمْرَهُ إلى الله: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ) فنَصَرَهُ اللهُ بجُنْدٍ مِنْ جُنُودِه.
3-واسْتِغْفَارُ اللهِ والتَّوبَةُ إليه؛ سَبَبٌ للقُوَّةِ والأمْنِ والرَّخَاء، قالَ هودٌ لِقَوْمِه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ).
فاللهُمَّ يا حيُّ يا قيُّوم: أنتَ ربُّنا لا إلهَ إلا أنت، خَلَقْتَنَا ونحنُ عبيدُك، ونحنُ على عَهْدِكَ ووعْدِكَ ما استطعْنَا، نعوذُ بك، مِنْ شرِّ ما صنعْنا، نبوءُ لك بنعمتِكَ علينا، ونبوءُ بِذُنُوبِنا؛ فاغْفِرْ لنا، فإنه لا يغفرُ الذُّنُوبَ إلا أنت، برحمتك يا أرحمَ الراحمين.
ثم صلُّوا وسَلِّموا رحمكم الله على خيرِ خَلقِ الله، محمَّدِ بن عبدالله: (مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدة؛ صلَّى اللهُ عليهِ بها عشرًا)، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك ومصطفاك، وعلى آل بيتِه الطيبينَ الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، والخلفاءِ الأربعة الراشدين، والصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارضَ اللهم عنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا، وسائرَ بلاد المسلمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
