موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

وقفات في نهاية العام، خطبة الجمعة مكتوبة، عبدالغفار العماوي

 الحمدُ للهِ؛ (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ)، وَأَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللهُ، وحْدَهُ لا شريكَ له، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصَحبِهِ أجمعيَن، وسَلَّمَ تَسلِيمًا كثيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِي نَفْسِي وإيَّاكُم بتقوَى اللهِ عزَّ وجل، اتَّقوا اللهَ عِبادَ الله؛ فإنَّ تَقْوَاهُ: نَجَاةٌ مِنْ عَذَابِه، وفَوْزٌ بجَنَّاتِه، وَعَلَيها المُعَوَّل، علَيكُم بما كانَ عَلَيهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، والصَّدرُ الأوَّل، اشكرُوهُ علَى ما أَوْلَاكُم مِنَ عَظِيمِ الفَضْلِ والإنْعَامِ، قَصِّروا الأمَل، واسْتَعِدُّوا لِبَغتَةِ الأجَل، فمَا أطالَ عَبْدٌ الأمَلَ إلَّا أسَاءَ العمَل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفسٌ مَا قَدَّمَت لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ* وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ* لا يَستَوِي أَصحَابُ النَّارِ وَأَصحَابُ الجَنَّةِ أَصحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ).

أيُّها المُسلِمون: لَحَظَاتُ العُمُر؛ فُرصَةٌ للعَمَل، ونِعمَةٌ تَسْتَوجِبُ الشُّكرَ لله، (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، دُنْيَاكُمْ هذِهِ مَمَرّ، والآخِرَةُ مَآلٌ ومُستَقرّ، اليومَ عمَلٌ ولَا حِسَاب، وغدًا حِسَابٌ ولَا عمَل، العُمُرُ يَنْقَضِي، والزَّمَنُ يَسِير، ولَحَظَاتُ الحيَاةِ مَدَىً قَصِير، يَسْأَلُ اللهُ عِبادَهُ يومَ القِيَامَة: (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ* قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

تَأَمَّلْ في الوُجُودِ بعَينِ فِكْرٍ ** تَرَ الدُّنيا الدَّنِيئةَ كالخيَالِ

وَمَنْ فيها جميعًا سوفَ يَفْنَى ** ويبقَى وَجْهُ ربِّكَ ذو الجَلالِ

عبادَ الله: هذا عَامٌ مِنْ أعمَارِكُم قد تَصَرَّمَتْ أيّامُه، وقُوِّضَتْ خِيَامُه، غابَتْ شَمْسُه، واضمَحَلَّ هِلالُه، إيذَانًا بأنَّ هذهِ الدُّنيا ليسَتْ بِدَارِ قرَار.. 

عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: أخَذَ رسولُ اللهِ ( بمَنكبي، فقال: (كُنْ في الدُّنيا كأنَّكَ غَرِيبٌ أو عَابِرُ سَبِيل) وكانَ ابنُ عُمرَ يقول: "إذا أَمْسَيتَ فلا تَنتظِرِ الصَّبَاح، وإذا أَصْبَحتَ فلا تَنتظِرِ المسَاء، وخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِك، ومِنْ حيَاتِك لِمَوتِك" أخرجه البخاري.

ذهَبَ عَامُكُمْ شَاهِدًا لَكُم أو عَليكُم، فخُذُوا زَادًا كَافِيا، وأَعِدُّوا جَوَابًا شَافِيًا، فإنَّ مِنْ وَرَائكُمْ مَظَالِمَ نَسِيْتُمُوهَا وأحْصَاهَا الله، فاسْتَكْثِروا رحمكمُ الله؛ في أعمَارِكُم مِنَ الحَسَنَات، وأَقِيْلُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ العَثَرَات، واسْألوا اللهَ العَافِيةَ والمُعَافَاة، وامْلؤوا صَحَائِفَكُمْ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالحات، وتَدَارَكوا مَا مَضَى مِنَ الهفَوَات، قَبْلَ أنْ يُنَادِي بِكُم مُنَادِي الشَّتَات، ويَفْجَأَكُمْ هَادِمُ اللذَّات... سَمِعَ جَابِرٌ ( النبيَّ ( وهُوَ يَعِظُ رَجُلاً ويَقولُ له: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمسٍ: شَبَابَكَ قبلَ هَرَمِك، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِك، وغِنَاكَ قبلَ فَقْرِك، وفَرَاغَك قبلَ شُغلِك، وحيَاتَكَ قبلَ مَوتِك، فمَا بعدَ الدُّنيا مِنْ مُسْتَعتَب، ولا بعدَ الدُّنيا دَارٌ إلَّا الجنَّةُ أو النَّار) أخرجَهُ الحاكِم.

فيَا مَنْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِه القَلِيل، ولا يَدرِي متَى يقَعُ الرَّحِيل، يا مَنْ تُعَدُّ عَليهِ أَنفَاسُهُ: اسْتَدْرِكْهَا، يا مَنْ سَتَفُوتُ أيَّامُهُ: أَدْرِكْهَا، نَفْسُكَ أَعَزُّ ما عَلَيكَ؛ فَلا تُهْلِكْهَا، قالَ(: (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فبَائِعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها) رواه مسلم.

ومِنْ أعظَمِ المصَائِبِ وأجَلِّ الخُطُوب، وأفجَعِ الأَهْوَالِ وأفْظَعِ الكُرُوب: الحَسْرَةُ علَى ضَيَاعِ الوَقْتِ وفَوَاتِ الأَجَل، ومُضِيِّ سَاعَاتِ الزَّمَانِ مِنْ غَيرِ عَمَل، تَبْدَأُ حَسْرَتُها ونَدَامَتُها مِنْ سَاعَةِ الاحْتِضَار، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). 

اللهُمَّ اجْعَلْ خيرَ أعمالِنَا خواتِمَها، وخيرَ أعمارِنَا أواخِرَها، وخيرَ أيَّامِنَا يومَ نلْقَاكَ، وتَوَفَّنَا وأنتَ راضٍ عنَّا، اللهم وبَارِكْ لنا في القُرآنِ والسُّنَّة، وانفعنا بما فيهما مِنَ الآيَاتِ والحكمة، أقولُ قولي هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّه كان غفّارا.

الحمدُ للهِ وليُّ الصالحين، والصلاةُ والسلامُ على إمامِ المتقين، وسيِّدِ المرسلين محمدِ بنِ عبدِ اللهِ، صلى اللهُ عليه وآلهِ وصحبِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.. أمَّا بَعْدُ عبادَ الله:

فإنَّكُمْ تُقْبِلُونَ علَى شَهْرٍ مُحرَّم، واللهُ عَزَّ وجَلَّ عَظَّمَ حُرْمَةَ الأَشْهُرِ الحُرُم، وجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أعظَم، والعَمَلَ الصَّالِحَ والأجْرَ فِيهِنَّ أعظَم، فعَظِّمُوا ما عَظَّمَ الله، (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).

والصَّومُ في شَهْرِ اللهِ المُحَرَّم؛ عِبَادَةٌ عظيمةٌ جَلِيلَة، وقُرْبَةٌ ورِفْعَةٌ وفَضِيلَة. عَنْ أبي هُرَيرَةَ ( أنَّ رَسُولَ اللهِ ( قال: (أفضَلُ الصِّيَامِ بعدَ شَهْرِ رمضَان: صِيَامُ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّم) رواه مسلم.

ألَا فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله.. قَصِّروا الأمَل، وأَصْلِحُوا العَمَل، وحَاذِرُوا بَغْتَةَ الأجَل، أَرُوا اللهَ مِنْ أَنفُسِكُمْ، في مُسْتَهَلِّ عَامِكُمْ: كمَالَ التوكُّلِ عليه، وصِدْقَ التَّوبةِ إليه، وحُسْنَ الإنَابةِ له، وصِدْقَ الالْتِجَاءِ إليه، وشُكْرَهُ في كُلِّ وقت، وَحَمْدَهُ على كُلِّ حَال. 

لِيَكُنْ لكُم في مُسْتَهَلِّ عَامِكُمْ: عَهْدٌ مَعَ الله؛ بالقيامِ بالفَرَائِضِ على الوَجْهِ الذي يُرْضِيه، والَّلهَجِ بِذِكْرِهِ في كُلِّ حِين، والإنابَةِ إليهِ معَ كُلِّ ذَنْب، والتَّوبةِ إليهِ مَعَ كُلِّ مَعْصِيَة، لِتَكُونوا مِمَّنْ عَنَاهُمُ اللهُ بقَولِه: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا).

اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم، يا ذا الجَلالِ والإكرام، أعِنَّا على ذِكرِكَ وشُكرِك وحُسنِ عِبادتك، واجعلنا ممن طالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُه، وثَبِّتْنَا على الإسْلامِ حتِّى نلْقَاكَ، برحمتك يا أرحم الراحمين.


اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد، النبي المُصطفى، والرِّسولِ المُجتبى، وعلى آلهِ الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهاتِ المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين، اللهم وعُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطانِ المسلمين. 

اللهمَّ آمنَّا في أوطاننا، وآمِّنَّا اللهُمَّ في دُورِنا.

اللهمَّ أصْلِحْ قُلُوبَنا، واشْرَحْ صُدُورَنا، ويسِّرْ أمورَنا، واقْضِ حاجاتِنا، وأصْلِحْ نيَّاتِنا وذُرِّيَّاتِنا، وبلِّغْنَا فيما يُرْضِيكَ آمالَنا، واُنْصُرِ اللهُمَّ جُنودَنا، وارْبِطْ على قلوبِـهم، وثبِّتْ أقدامَهم، وانْصُرْهُمْ على القَومِ الظالمين. 

اللهم ادفع عنا الغلا والوبا، والربا، والزنا، والزلازل، والمِحَن، وسوءَ الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


وقفات في نهاية العام، خطبة الجمعة مكتوبة، عبدالغفار العماوي


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي