موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

ما حكم سب الدين أو الانتقاص منه ؟

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد :
فقد أجمع أهل العلم على أن سب الدين كفر بالله عز وجل، وسب الدين أعظمه الوقوع في الذات الإلهية، ثم في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في شيء من شعائر الدين .. وكل ذلك عظيم.
فإذا وقع من مسلم، فقد ارتدّ عن الإسلام عياذاً بالله من ذلك، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة :65-66].
وقد نزلت في أناس لم يعلنوا سب الدين صراحة، لكنهم طعنوا في حملته ونقلته فقالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. 
فكيف بمن تجرأ وسب الدين رأساً!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " إن سب الله أو سب رسوله كفرٌ ، ظاهراً وباطناً ، سواء كان السابُّ يعتقد أن ذلك محرم ، أو كان مستحلًا له ، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده ، هذا مذهب الفقهاء ، وسائر أهل السنَّة القائلين بأن الإيمان قول وعمل " " الصارم المسلول " (ص512 ) .
وقال أيضًا : " وبالجملة : فمن قال أو فعل ما هو كفر : كفر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرًا ؛ إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله " . "الصارم المسلول" (ص 184) .
فمن سب الدين قاصدًا متعمدًا لذلك، أو جرت به عادته : فهما في الحكم سواء ، ومن اعتاد سب الدين فصار يجري على لسانه عن قصد ودون قصد، عامدًا وساهيًا أشد كفرًا ؛ لأنه اتخذ من الكفر عادة .
والذي أنصح به من وقع في ذلك أن يغتسل ويشهد الشهادتين ويتوب إلى الله تعالى، وأن يكثر من الاستغفار والعمل الصالح، وأن يعلم أن باب التوبة مفتوح أمام العبد من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، كما قال تعالى: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الفرقان: 68-70].
وكيف لمسلم يؤمن بالله ربًا وبالاسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا أن يسب دينه ؟
والذي يكرر هذا الأمر حتى أصبح عادة له هو على خطر عظيم، ومع ذلك فإن خُتم له بتوبة نصوح قبلت منه.
ومن المهم في هذا المقام التفريق بين سب " دين الإسلام" ، وسب " دين الشخص " ، فالأول كفر بلا خلاف .
وأما الثاني، وهو سب " دين الإنسان " فمحتمل ، لأن الساب قد يقصد بهذا القول دين الإسلام، فيكون كافراً، وقد يقصد به : حال الشخص المعين، وطريقته في التدين، وما هو عليه من الخُلق ونحو ذلك، وقد لا يقصد شيئا من ذلك أصلًا، وإنما هي كلمة ووصلة في كلام الجهال والسفهاء، يتوصلون بها لتحقيق السب، وتأكيده فلا يكفر الساب بشيء من ذلك .
وهذه حال كثير من العامة في البلدان، أو أكثرهم .
جاء في " فتاوى البرزلي ": " نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَزْدَرِي الصَّلَاةَ وَرُبَّمَا ازْدَرَى الْمُصَلِّينَ ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ مَلَأٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ... فَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الِازْدِرَاءِ بِالْمُصَلِّينَ لِقِلَّةِ اعْتِقَادِهِ فِيهِمْ : فَهُوَ مِنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ ، فَيَلْزَمُهُ الْأَدَبُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَمَنْ يَحْمِلْهُ عَلَى ازْدِرَاءِ الْعِبَادَةِ، فَالْأَصْوَبُ أَنَّهُ رِدَّةٌ. ا هـ .
قال شيخ المالكية في وقته : "الشيخ عليش " معلقاً : " قُلْت : يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا : الْحُكْمُ فِيمَنْ سَبَّ الدِّينَ، أَوْ الْمِلَّةَ، أَوْ الْمَذْهَبَ، وَهُوَ يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ بَعْضِ سَفِلَةِ الْعَوَّام كَالْحَمَّارَةِ وَالْجَمَّالَةِ وَالْخَدَّامِينَ، وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ : إنْ قَصَدَ الشَّرِيعَةَ الْمُطَهَّرَةَ ، وَالْأَحْكَامَ الَّتِي شَرَّعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم : فَهُوَ كَافِرٌ قَطْعًا .
ثُمَّ إنْ أَظْهَرَ ذَلِكَ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ يُقْتَلُ وَلَوْ تَابَ .
وَإِنْ قَصَدَ حَالَةَ شَخْصٍ وَتَدَيُّنَهُ : فَهُوَ سَبُّ الْمُسْلِمِ؛ فَفِيهِ الْأَدَبُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ .
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَصْدَيْنِ : بِالْإِقْرَارِ، وَالْقَرَائِنِ .
وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْقَصْدَ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ فِي الْحُكْمِ " .
 " فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (5/252) .
 فالواجب على المسلم أن ينزه لسانه عن مثل هذا!
والله أعلم
ما حكم سب الدين أو الانتقاص منه ؟

 

عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي