موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

إلا من أتى الله بقلب سليم | خطبة الجمعة مكتوبة

 الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الَّذي شرحَ صدورَ المؤمنينَ لطاعتِه، وسلكَ بهم سبيلَ مرضاتِه، أحمدُه حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابِه وأزواجِه وذريَّتِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، وامتثلوا أمرَ ربِّكم القائلِ سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.

أيها المسلمون: جاءَ في بعضِ كُتُبِ السِّيَرِ والأخبارِ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ، أَمَرَهُ سَيِّدُهُ يَوْمًا أَنْ يَذْبَحَ شَاةً، وَيَأْتِيَهُ بِأَطْيَبِ مَا فِيهَا، فَأَتَاهُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. ثُمَّ كرَّرَ سيّدُهُ عليهِ الأمرَ مرةً أخرى، وأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَخْبَثِ مَا فِيهَا، فَأَتَاهُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيْضًا! فَعَجِبَ سَيِّدُهُ مِنْ صَنِيعِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ سِرِّ ذَلِكَ، فَقَالَ: «يا سيدي! لَيْسَ شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا، وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا». وَلَقَدْ صَدَقَ هذا العبدُ الصالحُ! فَإِنَّ الْقَلْبَ مَلِكُ الْجَوَارِحِ، وَمَنْبَعُ الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ؛ إِذَا صَلَحَ اسْتَقَامَتِ الْجَوَارِحُ، وَإِذَا فَسَدَ انْحَرَفَتْ. وَمَا الْحَدِيثُ عَنْ صَلَاحِ الْقَلْبِ إِلَّا حَدِيثٌ عَنْ أَصْلِ الْفَلَاحِ وَمَنْشَإِ السَّعَادَةِ، قَالَ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». وَسَلَامَتُهُ فِي الْآخِرَةِ سَبِيلُ النَّجَاةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

عِبَادَ اللَّهِ: وَمَا عَظُمَ شَأْنُ الْقَلْبِ إِلَّا لِأَنَّهُ مَوْطِنُ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ وَأَشْرَفِهَا؛ فَفِيهِ التوحيدُ والْإِخْلَاصُ وَالْيَقِينُ، وَمِنْهُ تَنْبَعِثُ الْمَحَبَّةُ وَالْخَشْيَةُ، وَفِيهِ تَسْكُنُ الْمُرَاقَبَةُ وَالْإِنَابَةُ، وَالرَّجَاءُ وَالتَّوَكُّلُ، وَالصَّبْرُ وَالرِّضَا، وَالشُّكْرُ وَالْحَيَاءُ. وَبِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَتَفَاضَلُ الْمَنَازِلُ، وَتَعْلُو الدَّرَجَاتُ، وَتَسْمُو النُّفُوسُ؛ حَتَّى قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «مَا فَضَلَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا بِكَثْرَةِ صِيَامٍ، وَلَكِنْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ».

نعم، إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الْقَلْبِ حَدِيثٌ عَنْ مَوْضِعِ نَظَرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَمَحَلِّ عِنَايَتِهِ بِعَبْدِهِ؛ فَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ بِجَمَالِ الصُّوَرِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا بِصَلَاحِ الْقُلُوبِ وَالْأَعْمَالِ؛ قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ». 

وَتَأَمَّلُوا كِتَابَ رَبِّكُمْ، كَيْفَ جَعَلَ لِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ الْقُلُوبُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ أَعْظَمَ الْأَثَرِ فِي مَصَائِرِ الْعِبَادِ؛ فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، لَمَّا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ قُلُوبِهِمْ، أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ سَكِينَتَهُ، وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾  وَهَؤُلَاءِ أَسْرَى بَدْرٍ، يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ بَابَ الْفَضْلِ وَالْمَغْفِرَةِ إِنْ صَلَحَتْ قُلُوبُهُمْ، فَيَقُولُ جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ، لَمَّا فَسَدَتْ قُلُوبُهُمْ، وَاسْتَحْكَمَ فِيهَا مَرَضُ النِّفَاقِ، زَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِهِمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾. 

فيا أَيُّهَا الْمُبارك: إِنْ كُنْتَ حَرِيصًا عَلَى صَلَاحِ قَلْبِكَ، فَطَهِّرْهُ مِنْ أَدْوَاءِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ أَوْضَارِ الْبَغْضَاءِ وَالشَّحْنَاءِ؛ فَمَا أَشَدَّ خُسْرَانَ عَبْدٍ يَلْقَى اللَّهَ بِقَلْبٍ امْتَلَأَ غِلًّا عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ! وَلَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ سَلَامَةَ الصُّدُورِ، وَمَحَبَّةَ الْخَيْرِ لِإِخْوَانِهِمْ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ بِدُعَائِهِمْ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَأَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ بِسَلَامَةِ الْقُلُوبِ، فَقَالَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»، ثُمَّ قَالَ: «التَّقْوَى هَاهُنَا»، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».  فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الْإِسْلَامُ صَلَاحَ الْقَلْبِ أَصْلًا لِصَلَاحِ الْعَلَاقَاتِ، وَسَلَامَةَ الصَّدْرِ سَبِيلًا إِلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ! بَلْ إِنَّ مَا يَسْتَقِرُّ فِي الْقَلْبِ مِنْ نِيَّةِ الشَّرِّ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ أَوْرَدَتْهُ نِيَّةُ الشَّرِّ مَوَارِدَ الْهَلَاكِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مُرَادَهُ!

عِبَادَ اللَّهِ: وَإِذَا كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ أَصْلَ كُلِّ صَلَاحٍ، فَحَرِيٌّ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَعَاهَدَ قَلْبَهُ، وَأَنْ يُفَتِّشَ فِي خَفَايَاهُ، وَيَنْظُرَ فِيمَا اسْتَقَرَّ فِي زَوَايَاهُ؛ وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى ذَلِكَ فِي زَمَنٍ تَتَتَابَعُ فِيهِ الْفِتَنُ، وَتَتَزَاحَمُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ؛ فَإِنَّ الْفِتَنَ لَا تَمُرُّ بِالْقُلُوبِ دُونَ أَثَرٍ، قَالَ ﷺ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا، كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».


بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.


الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى منْ لا نبيَّ بعْدَهُ...   أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ، عِبَادَ اللَّهِ.. وَاعْلَمُوا إِنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ هُوَ عُدَّةُ المؤمنِ لِيَوْمِ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَسَبِيلُهُ إِلَى الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ؛ فَسَيَأْتِي يَوْمٌ تَنْكَشِفُ فِيهِ السَّرَائِرُ، وَيَسْقُطُ فِيهِ بَرِيقُ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَلَا يَبْقَى لِلْعَبْدِ إِلَّا مَا قَدَّمَهُ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَمَا انْطَوَى عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ قَالَ اللهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ۝ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ۝ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾.  

وَاسْمَعُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَرْتَجِفُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ؛ حَدِيثٍ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ غَلَبَتْهُ الْعَبْرَةُ، حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ التَّأَثُّرِ بِهِ، 

فَأَيُّ حَدِيثٍ هَذَا الَّذِي بَلَغَ مِنْ قَلْبِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا الْمَبْلَغَ؟! إِنَّهُ حَدِيثُ أَوَّلِ مَنْ يُقْضَى عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ».  اللَّهُ أَكْبَرُ! رَجُلٌ بَذَلَ نَفْسَهُ فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَأَثْنَوْا عَلَى شَجَاعَتِهِ وَبَطُولَتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنْ قَلْبِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ النَّاسُ؛ فَكَانَتْ غَايَتُهُ ثَنَاءَ الْخَلْقِ، لَا رِضَا الْخَالِقِ!

ثُمَّ قَالَ ﷺ: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ».

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! عِلْمٌ تَعَلَّمَهُ، وَقُرْآنٌ تَلَاهُ، وَطلّابٌ عَلَّمَهُمْ، وَذِكْرٌ حَسَنٌ تَرَكَهُ بَيْنَهُمْ؛ وَلَكِنْ مَاذَا أَغْنَى عَنْهُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَقَدْ خَلَا قَلْبُهُ مِنْ صِدْقِ الْإِخْلَاصِ؟! ثُمَّ قَالَ ﷺ: «وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ».  كُلُّهُمْ عَمِلوا أَعْمَالًا عَظِيمَةً فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمْ خَسِرُوا ثَوَابَهَا لِفَسَادِ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمْ! فَيَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ عَمَلِكَ، وَلَا بِجَمِيلِ ذِكْرِكَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى قَلْبِكَ: لِمَنْ يَعْمَلُ؟ وَمَنْ يَرْجُو؟ وَمَنْ يَبْتَغِي بِطَاعَتِهِ؟

عِبَادَ اللَّهِ: وَمَنْ أَرَادَ صَلَاحَ قَلْبِهِ، فَلْيُكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ، وَصَلَاحَهَا مِنْ فَضْلِهِ، وَالْمُوَفَّقُ مَنْ طَرَقَ بَابَ مَوْلَاهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَهُ وَيُزَكِّيَهُ. وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ نَبِيِّنَا ﷺ: «وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا»، وَمِنْ دُعَائِهِ أيضًا: «وَأَصْلِحْ لِي قَلْبِي». 

فَلَا تَغْفَلْ عَنْ هَذَا الْبَابِ الْعَظِيمِ؛ فَمَا صَلَحَ قَلْبٌ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَلَا اسْتَقَامَ إِلَّا بِعَوْنِهِ. فَأَلِحُّوا عَلَى رَبِّكُمْ أَنْ يَرْزُقَكُمْ قُلُوبًا سَلِيمَةً، تَحْيَا بِذِكْرِهِ، وَتَطْمَئِنُّ بِقُرْبِهِ. 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا قُلُوبَنَا وَأَعْمَالَنَا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ، وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَارْزُقْنَا قُلُوبًا سَلِيمَةً، وَنُفُوسًا زَكِيَّةً، وَأَعْمَالًا خَالِصَةً مَرْضِيَّةً.

اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَيَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ، وَأَصْلِحْ فَسَادَ قُلُوبِنَا، وَاجْعَلْهَا عَامِرَةً بِمَحَبَّتِكَ وَخَشْيَتِكَ وَتَعْظِيمِكَ.

ثم صلُّوا وسلِّموا على نبيِّكم محمدٍ ﷺ، فقد أمرَكُمُ اللهُ بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

إلا من أتى الله بقلب سليم | خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي