موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

اغتنم الفرصة | خطبة الجمعة مكتوبة

اغتنم الفرصة

لتحميل الخطبة بصيغة بي دي إف اضغط هنا اغتنم الفرصة خطبة الجمعة

خطبة الجمعة

 

أما بعد:

فلقد أثنى اللهُ -تعالى- على أنبيائه ورسله فقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 90]، أي: يبادرون إلى الخيرات ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلا انتهزوا الفرصةَ فيها

وفي (مصنَّف ابن أبي شيبة) قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إنِّي لَأمقتُ الرجلَ أن أراهُ فارغًا ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة"، فهذا نبي الله موسى -عليه السلام- لَمَّا اطمأنَّ قلبُه بكلام ربِّ الأرباب وأنَّ الذي يُخاطبه هو مُسَبِّبُ الأسبابِ اغتنم -عليه السلام- الفرصةَ، فقال: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)[طه: 25-32]، فاستجاب له رَبُّه: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)[طه: 36].

ولَمَّا دخَل زكريا -عليه السلام- على مريم وهي منقطعة للعبادة لا كسبَ لها ولا تجارةَ فوجَد عندَها رزقا، (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[آلِ عِمْرَانَ: 37]، فلمَّا رأى آثارَ فضل الله ورحمته اغتنم -عليه السلام- الفرصةَ فدعا اللهَ -تعالى- بأن يرزقَه الولدَ الصالحَ، فالذي رزَق مريمَ بغير سبب قادر على أن يهَب للشيخ الكبير الولدَ، (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 38-39].

وموقفٌ ثالثٌ عجيبٌ لنبي الله سليمان -عليه السلام- لَمَّا أَلْهَتْهُ الخيلُ الجيادُ عن ذِكْر ربِّه وصلاة المساء نَدِمَ على ما مضى منه، وتقرَّب إلى الله -تعالى- بما ألهاه عن ذِكْرِه، فأمَر -عليه السلام- بعقرها والتصدُّق بلحمها، واغتنم فرصةَ الندم والتوبة ونفحات المغفرة والرحمة، فقال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[ص: 35]، فاستجاب له ربُّه وعوَّضَه خيرًا ممَّا تركه، (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ)[ص: 36-40].

وأمَّا نبيُّنا -صلوات ربه وسلامه عليه- فقد كان مثالا يُحتذى به في اغتنام الفرص، وحين قَدِمَ إلى المدينة وأُتيحت له الفرصةُ بادَر بتقسيم الأعمال، ومكَّن أصحابَ المواهب وهيَّأ لهم الفرصَ؛ فبلالٌ لرفع الأذان، وخالد بن الوليد لنصرة الدِّين بالسِّنان، وأما نُصرة الدين بالشعر والبيان فكان النصيب الأكبر فيه لحسان، رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم.

ومر صلى الله عليه وسلم يوما بسوق المدينة، والناس مشغولون ببيعهم وشرائهم، فأراد أن يذكرهم بقيمة الدنيا وألَّا تلهيهم تجارتُهم عن تجارة الآخرة، فمَرَّ بجدي أسَكَّ ميت؛ أي: صغير الأذنين، فاغتنم صلى الله عليه وسلم الفرصةَ فتناوَلَه فأخَذ بأذنه ورفَع صوتَه يُزاوِدُ على بيعه فقال: "أيُّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟ أيُّكُم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟ أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء؛ وما نصنع به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حَيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكُّ فكيف وهو ميت، فقال صلى الله عليه وسلم: فواللهِ لَلدُّنْيا أهونُ على الله من هذا عليكم" (رواه مسلم).

وفي (مسند الإمام أحمد) لَمَّا صعد ابن مسعود -رضي الله عنه- على شجرة يجتني سِوَاكًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان دقيق الساقين، فجعلت الريحُ تكفؤه، فضَحِكَ القومُ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مِمَّ تضحكون؟ قالوا: يا نبيَّ الله، مِنْ دِقَّة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقلُ في الميزان من أُحُدٍ" فاغتنم صلى الله عليه وسلم الفرصةَ ليبيِّن للأمة أن الناس يومَ القيامة لا يتفاضلون بأشكالهم وأحجامهم، وإنما بصلاح قلوبهم وأعمالهم، فالله -جل جلاله- لا ينظر إلى الصور والألوان والأشكال، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، وفي (الصحيحين) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنه لَيأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامة لا يَزِنُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضة، وقال: اقرأوا: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا)[الْكَهْفِ: 105]".

ومن مواقف الحرص على اغتنام الفرص ما جاء في (الصحيحين) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- لَمَّا ذكر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بأن سبعين ألفًا يدخلون الجنةَ بغير حساب ولا عذاب، فقام عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ -رضي الله عنه- فقال: "يا رسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم، فقال: سبَقَكَ بها عُكَّاشةُ".

فتأمَّلْ -أخي المبارك- كيف بادَر عكاشةُ -رضي الله عنه- وأرضاه واغتنَم هذه الفرصةَ، ففي لحظة واحدة، نعم، في لحظة واحدة فاز بدخول الجنة من غير حساب ولا عذاب.

معاشرَ المؤمنينَ: إن كل فرصة في الخير فهي مَغْنَم مهما صَغُرَ حجمُها وقلَّ وزنُها، فاتقوا الله ولو بِشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاكَ بوجه طلق، وفي (صحيح مسلم) قال صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيتُ رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطَعَها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس".

ثم اعلموا -إخوة الإيمان- أن هناك فُرَصًا لا يمكن تعويضُها، فمن هذه الفرص العظيمة: وجود الوالدينِ؛ فالوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئتَ فحافِظْ على الباب أو ضَيِّعْهُ، وفي (صحيح مسلم) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: مَنْ يا رسولَ اللهِ؟ قال: مَنْ أدرَكَ أبويه عند الكِبَرِ أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنةَ".

فيا حسرةَ مَنْ مات والداه أو أحدهما ولم يغتنم فرصةَ بِرِّهما؛ فإن رضا الرب -سبحانه وتعالى- في رضا الوالدينِ، وسخط الرب في سخط الوالدين، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 133-134].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه كان غفارا.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الْمُلْكِ: 2]، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، عبَدَ ربَّه حقَّ عبادته، حتى أتاه اليقينُ من ربه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: معاشرَ المؤمنينَ:

فإن وجود الإنسان في الحياة هو أعظم فرصة، فإن كان عَمِلَ صالحًا ازدَادَ، وإن كان غير ذلك تاب وعاد، وفي (مستدرك الحاكم بسند صحيح)، قال صلى الله عليه وسلم: "اغتَنِمْ خمسًا قبل خمس: شبابَكَ قبل هَرَمِكَ، وصحتَكَ قبل سَقَمِكَ، وغناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفراغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ".

وكُلَّما كان المرء جادًّا في حياته مترفعًا عن نزواته وشهواته اغتنَمَ الفرصةَ وتقدَّم على غيره (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[الْوَاقِعَةِ: 10-12].

وإن من فضل الله -تعالى- علينا أنْ جَعَلَ الفرصَ قائمةً حتى آخِر ساعةٍ، ففي (مسند الإمام أحمد) قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل".

فيا عبدَ اللهِ: اغتنم الفرصةَ قبل فواتها، وتذَكَّر بأن الفرص نعمة، والنِّعم إذا ذهبت ربما لا ترجع، قال ابن القيم -رحمه الله-: "والله -سبحانه- يُعاقِب مَنْ فتَح له بابًا من الخير فلم ينتهزه؛ بأن يَحُولَ بينَ قلبِه وإرادته فلا يمكنه بعد من إرادته؛ عقوبةً له"،  (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)[الْأَنْفَالِ: 24]، فمَن آثَر عجزَه وكَسَلَه، وفوَّت الفرصَ على نفسه نَدِمَ في وقت لا ينفعه فيه الندمُ، (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)[الْفَجْرِ: 23-24].

فيا أخي:

بَادِرِ الفرصةَ واحذر فوتَها***فبلوغُ العِزِّ في نَيْلِ الفُرَصْ

واغتَنِمْ عمرَكَ إِذْ بان الصبا***فَهْو إِنْ زادَ مع الشيب نَقَصْ

ثم اعلموا -معاشر المؤمنين- أن الله أمركم بأمر كريم ابتدأ فيه بنفسه فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وارضَ اللهُمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلِيّ، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذِلَّ الشركَ والمشركينَ، واحمِ حوزةَ الدينِ، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئِنًّا، رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أحوال إخواننا المسلمين في كل مكان، برحمتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أصلح لنا دِيننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتَنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموتَ راحةً لنا من كل شر، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، ومن تحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات برحمتك يا رب العالمين.


اغتنم الفرصة | خطبة الجمعة مكتوبة

عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي