موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

محبطات الأعمال | خطبة الجمعة مكتوبة

محبطات الأعمال 

لتحميل الخطبة بصيغة بي دي إف اضغط هنا محبطات الأعمال



 إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71]. 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاجْتَهِدُوا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَاكْتَسِبُوا الْحَسَنَاتِ، وَاحْذَرُوا السَّيِّئَاتِ؛ فَإِنَّ كُلَّ عَامِلٍ يَجِدُ مَا عَمِلَ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: 6-8].

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : إِنَّ المُسْلِمَ مَأْمورٌ بِكَسْبِ الحَسَناتِ، وَمَأْمورٌ بِحِفْظِ مَا كَسَبَ مِنْ الحَسَناتِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [مُحَمَّدٍ: 33]، قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يُبْطِلَ عَمَلًا صَالِحًا عَمِلَهُ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ فَلْيَفْعَلْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ يَنْسَخُ الشَّرَّ، وَإِنَّ الشَّرَّ يَنْسَخُ الْخَيْرَ، وَإِنَّ مِلَاكَ الْأَعْمَالِ خَوَاتِيمُهَا».

فَإِذَا كُنْتَ تَكْسِبُ الحَسَناتِ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ، فَإِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَحْفَظَ هَذِهِ الحَسَناتِ بِتَرْكِ المُنْكَراتِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ السَّيِّئَاتِ تُحْبِطُ الحَسَناتِ، وَبَعْضَ السَّيِّئَاتِ تَأْكُلُ الحَسَناتِ، واَلَّذِي يَعْمَلُ الحَسَناتِ وَلَا يُحافِظُ عَلَيْهَا مِنْ الْمُحَبِّطَاتِ، كالَّذي يُحَاوِلُ أَنْ يَمْلَأَ قِرْبَةً مَشْقوقَةً، وَكَالَّذِي يَبْني ثُمَّ يَهْدِمُ مَا بَنَى، قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : " وَمُحَبِّطَاتُ الأَعْمالِ وَمُفَسَّدَاتُهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي العَمَلِ إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي حِفْظِ العَمَلِ مِمَّا يُفْسِدُهُ وَيُحْبِطُهُ "

عِبَادَ اللَّهِ: سَأَذْكُرُ فِي هَذِهِ الخُطْبَةِ بَعْضَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي الَّتِي تُحْبِطُ الحَسَنَاتِ، فَاجْتَنِبُوهَا وَاحْذَرُوهَا، وَاحْفَظُوا حَسَنَاتِكُمْ مِنْهَا. 

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: الكُفْرُ، وَهُوَ أَفْظَعُ الذُّنُوبِ وَأَعْظَمُهَا جُرْمًا، لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِأَصْلِ الإِيمَانِ وَإِهْدَامٌ لِكُلِّ عَمَلٍ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ حَسَنَةٌ تُرْفَعُ، وَلَا عَمَلٌ يُقْبَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ : الشِّرْكُ بِنَوْعَيْهِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ، وَهُوَ جِنَايَةٌ فِي حَقِّ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، إِذْ يُجْعَلُ مَعَهُ غَيْرُهُ فِي عِبَادَتِهِ، فَيُرَدُّ العَمَلُ كُلُّهُ وَلَا يُقْبَلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [رواه مسلم 2985]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: تَرْكُ صَلَاةِ العَصْرِ، وَهُوَ تَفْرِيطٌ فِي أَعْظَمِ فَرَائِضِ الدِّينِ، وَاسْتِهَانَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى جَاءَ فِيهِ هَذَا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» [رواه البخاري 553]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: إِتْيَانُ العَرَّافِينَ، وَهُوَ تَعَلُّقٌ بِالبَاطِلِ وَتَعْلِيقٌ لِلْقَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَيُعَاقَبُ العَبْدُ بِحِرْمَانِ قَبُولِ عِبَادَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [رواه مسلم 2230]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: الظُّلْمُ وَالاعْتِدَاءُ عَلَى الآخَرِينَ، وَهُوَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ لَا يُتْرَكُ، فَإِنَّ حُقُوقَ العِبَادِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ، تُؤْخَذُ مِنَ الحَسَنَاتِ حَتَّى يَفْنَى رَصِيدُهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟ قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [رواه مسلم 2581]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ : انْتِهَاكُ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي السِّرِّ، وَهُوَ خَطَرٌ خَفِيٌّ، يُظْهِرُ صَاحِبُهُ الصَّلَاحَ وَيُخْفِي الفَسَادَ، فَتَذْهَبُ أَعْمَالُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي، يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَبَاءً مَنْثُورًا»، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ؟ قَالَ: «أَمَّا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» رواه ابن ماجه (رقم 3442)

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ : المَنُّ وَالأَذَى، وَهُوَ إِفْسَادٌ لِلإِحْسَانِ بَعْدَ إِتْمَامِهِ، وَقَطْعٌ لِثَوَابِهِ بَعْدَ رَجَائِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَىٰ} [البقرة: 264]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: الحَسَدُ، وَهُوَ دَاءٌ يُحْرِقُ الحَسَنَاتِ وَيُفْسِدُ القُلُوبَ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالحَسَدَ، فَإِنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: شُرْبُ الخَمْرِ، وَهُوَ ذَنْبٌ يَحْجُبُ قَبُولَ العِبَادَةِ وَيَحْرِمُ صَاحِبَهُ أَجْرَهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» [رواه الترمذي وصححه الألباني]

وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ : الكَلَامُ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ الجُمُعَةَ، وَمَسُّ الحَصَى وَمَا يُشْبِهُهُ، وَهُوَ تَفْرِيطٌ فِي فَضِيلَةِ الجُمُعَةِ وَإِضَاعَةٌ لأَجْرِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا» [رواه ابن ماجه 847 وصححه الألباني].

 وَمِنْ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ: اقْتِنَاءُ الكِلَابِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ تَهَاوُنٌ يُنْقِصُ الأُجُورَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» [رواه مسلم 1575].

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ على إحْسَانِه، والشُّكْرُ لهُ على تَوفِيقِهِ واْمتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ، لَهُ تعظيمًا لِشأْنِه، وأَشْهَدُ أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه الدَّاعِي إِلى رِضْوَانِهِ، صلِّى اللهُ عليه وعلى آلِه وَأصحابِه وَإِخْوَانِهِ وسلِّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: كَمْ مِنْ عَامِلٍ يُتْعِبُ نَفْسَهُ فِي الطَّاعَاتِ، ثُمَّ لَا يَحْفَظُ عَمَلَهُ، فَيُضَيِّعُهُ بَعْدَ أَنْ جَمَعَهُ، وَيُفْسِدُهُ بَعْدَ أَنْ أَحْسَنَهُ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ.

وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَجِيبًا يُبَيِّنُ حَالَ مَنْ يَعْمَلُ وَلَا يَحْفَظُ عَمَلَهُ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ((أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ))

رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ، فِيهَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ، وَهِيَ مَصْدَرُ رِزْقِهِ، وَمَوْضِعُ أَمَلِهِ، وَسَبَبُ حَيَاتِهِ. 

ثُمَّ أَصَابَهُ الكِبَرُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَلَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ عَلَى الكَسْبِ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ، يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، وَيَنْتَظِرُونَ مِنْهُ النَّفَقَةَ.

 فَفِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ حَاجَةً إِلَى جَنَّتِهِ، وَفِي أَوْقَتِ مَا يَكُونُ ضَعْفًا وَعَجْزًا، إِذْ بِإِعْصَارٍ فِيهِ نَارٌ، يَأْتِي عَلَيْهَا فَيُحْرِقُهَا كُلَّهَا، فَلَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ.

فَتَأَمَّلُوا حَالَهُ: ضَاعَ مَالُهُ، وَانْقَطَعَ رِزْقُهُ، وَبَقِيَ هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ فِي أَشَدِّ الحَاجَةِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعْوِيضٍ، وَلَا يَجِدُ بَدَلًا، فَيَعِيشُ فِي أَعْظَمِ حَسْرَةٍ وَأَشَدِّ نَدَامَةٍ.

فَكَذَلِكَ –عِبَادَ اللَّهِ– حَالُ مَنْ يَعْمَلُ الصَّالِحَاتِ، وَيَجْمَعُ الحَسَنَاتِ، ثُمَّ لَا يَحْفَظُ عَمَلَهُ، فَيُتْبِعُهُ بِمَا يُفْسِدُهُ وَيُحْبِطُهُ، حَتَّى يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَى عَمَلِهِ، فَلَا يَجِدُ شَيْئًا، قَدْ ذَهَبَ كُلُّ مَا جَمَعَ، وَضَاعَ كُلُّ مَا عَمِلَ.

وَالَّذِي يَعْمَلُ الحَسَنَاتِ وَلَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا مِنَ الْمُحَبِّطَاتِ، كَالَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَمْلَأَ قِرْبَةً مَشْقُوقَةً، وَكَالَّذِي يَبْنِي ثُمَّ يَهْدِمُ مَا بَنَى، بَلْ هُوَ كَمَا صَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ فَكَذَلِكَ مَنْ يُتْبِعُ الطَّاعَةَ بِالْمَعْصِيَةِ، وَالْخَيْرَ بِالشَّرِّ، وَالإِحْسَانَ بِالإِسَاءَةِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاحْفَظُوا رَأْسَ مَالِكُمْ مِنَ الحَسَنَاتِ، فَلَا تُذْهِبُوا أُجُورَ صَلَاتِكُمْ وَصِيَامِكُمْ وَصَدَقَاتِكُمْ وَصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تُفْسِدُهَا أَوْ تُنْقِصُهَا.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُيامين صلى الله عليه وسلم.


محبطات الأعمال | خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي