موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

ما غرك بربك الكريم؟ | خطبة الجمعة مكتوبة

لتحميل الخطبة بصيغة بي دي إف اضغط هنا 

ما غرك بربك الكريم ؟ خطبة الجمعة بي دي إف


 [الخُطْبَةُ الأُولَى]



الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى.

 وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَهِيَ مَلاذُ الْمُتَّقِينَ، وَنَجَاةُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الدِّينِ.

إِخْوَةَ الإِسْلَامِ:

تَأَمَّلُوا نِدَاءً رَبَّانِيّاً يَزْلِزِلُ الْقُلُوبَ، وَيُزِيلُ حُجُبَ الْغُرُورِ وَالْكِبْرِيَاءِ؛ يَقُولُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:

>﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ۝ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ۝ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6–8].

قِفُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- مَعَ هَذَا السُّؤَالِ الْعَظِيمِ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟!

لَوْ سَأَلَكَ إِنْسَانٌ فِي الدُّنْيَا: "لِمَاذَا أَخْطَأْتَ فِي حَقِّي؟"، لَرَبَّمَا اخْتَلَقْتَ أَعْذَاراً وَبَرَّرْتَ.

 أَمَّا إِذَا سَأَلَكَ مَالِكُ الْمُلْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ فَأَيُّ جَوَابٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ لِسَانُك؟! فهذا سُؤَالٌ يَسْقُطُ أَمَامَهُ كُلُّ عُذْرٍ، وَيَتَلَاشَى مَعَهُ كُلُّ تَبْرِيرٍ.

وَتَأَمَّلُوا -عِبَادَ اللَّهِ- أَصْلَ خَلْقِ الإِنْسَانِ وَضَعْفَهُ أَمَامَ رَبِّهِ؛ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَقَ يَوْماً فِي كَفِّهِ ثُمَّ قَالَ:

 «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ؟! حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟!».


فَمَعَ أَنَّكَ خُلِقْتَ مِنْ أَصْلٍ ضَعِيفٍ، وَمَصِيرُكَ إِلَى الْمَوْتِ، جَرَّأَكَ الْغُرُورُ عَلَى مَعْصِيَةِ رَبِّكَ!

عِبَادَ اللَّهِ:

لِمَاذَا جَاءَ الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؟

الرَّبُّ الْكَرِيمُ هُوَ الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ عَدَمٍ، وَرَبَّاكَ بِالنِّعَمِ، وَشَقَّ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ، وَسَتَرَ أَقْبَحَ مَا فِيكَ، ثُمَّ هُوَ مَعَ كُلِّ هَذَا كَرِيمٌ لا يُعَاجِلُكَ بِالْعُقُوبَةِ!

فَكَيْفَ تُقَابِلُ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ وَالْكَرَمَ بِالْجُرْأَةِ وَالْعِصْيَانِ؟! كَيْفَ تُقَابِلُ الإِحْسَانَ بِالإِسَاءَةِ، وَالْكَرَمَ بِالْكُفْرَانِ؟!

لَوْ أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا أَحْسَنَ إِلَيْكَ، هَلْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُسِيءَ إِلَيْهِ أَوْ تُخَالِفَ أَمْرَهُ؟! فَكَيْفَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، ثُمَّ سَتَرَكَ وَأَمْهَلَكَ؟! 

فَأَيْنَ الْحَيَاءُ مِنَ الْكَرِيمِ؟! كَيْفَ تَعْصِيهِ بِنِعَمِهِ وَهُوَ يَرَى وَيَعْلَمُ؟!

إِخْوَةَ الإِيمَانِ:

إِنْ لَمْ يَمْنَعْكَ الْخَوْفُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، فَلْيَمْنَعْكَ الْحَيَاءُ مِنَ الْكَرِيمِ!

تَأَمَّلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ فِي نِعْمَتَيْنِ يُسْدِيهِمَا اللَّهُ إِلَيْكَ عِنْدَ كُلِّ ذَنْبٍ:

  قَبْلَ الذَّنْبِ: أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُوَّةِ وَسَائِرِ النِّعَمِ الَّتِي عَصَيْتَهُ بِهَا.

  وَبَعْدَ الذَّنْبِ: سَتَرَكَ، وَأَمْهَلَكَ، وَلَمْ يَفْضَحْكَ، ثُمَّ دَعَاكَ إِلَى التَّوْبَةِ!

فَأَيُّ كَرَمٍ هَذَا؟! وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ كَشَفَ لِلنَّاسِ ذَنْباً وَاحِداً مِنْ ذُنُوبِكَ الْمَخْفِيَّةِ، أَوْ رَفَعَ سِتْرَهُ عَنْكَ لَحْظَةً وَاحِدَةً، لَمَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِكَ، وَلَا أَنْ تُقَابِلَ النَّاسَ.


فالْكَرِيمُ سَتَرَكَ، وَأَنْتَ قَابَلْتَ سِتْرَهُ بِالإِصْرَارِ! فَإِلَى مَتَى يَدُومُ السِّتْرُ مَعَ الإِصْرَارِ؟!



فَيَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟!

إِنَّ الْغُرُورَ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ، بَلْ هُوَ وَاقِعٌ نَعِيشُهُ كُلَّ يَوْمٍ:

 * يَنَامُ أُنَاسٌ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ.

 * وَيُطْلِقُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي الْحَرَامِ.

 * وَيَأْكُلُونَ الرِّبَا، وَيَظْلِمُونَ الْعِبَادَ.

 * ثُمَّ يَقُولُونَ: اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ!

 * وَيُؤَخِّرُونَ التَّوْبَةَ، وَيُؤَمِّلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِطُولِ الْعُمُرِ!

 ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: 5].


أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

[الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ]

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَشَدِّ صُوَرِ الْغُرُورِ: أَنْ يَرَى الْعَبْدُ نِعَمَ اللَّهِ تَتَتَابَعُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى الْمَعَاصِي، فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِكَرَامَتِهِ، وَمَا دَرَى أَنَّهُ الاسْتِدْرَاجُ!

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ:

 «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ»، ثُمَّ تَلَا:

 ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44].


وَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ أَنْوَاعِ الْغُرُورِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى هَذَا الاسْتِدْرَاجِ: التَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ!

فَلَيْسَ كُلُّ مَغْرُورٍ يَقُولُ: "لَنْ أَتُوبَ"، بَلْ يَخْدَعُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: "سَأَتُوبُ... وَلَكِنْ لَيْسَ الْيَوْمَ! سَأُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ... وَلَكِنْ بَعْدَ الشَّبَابِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ أُحَقِّقَ مَا أُرِيدُ!".

يُمَنِّيهِ الشَّيْطَانُ، وَيُخَدِّرُهُ بِطُولِ الْأَمَلِ، حَتَّى يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى غَفْلَةٍ، فَلَا يَنْفَعُهُ يَوْمَئِذٍ نَدَمٌ، وَلَا تَوْبَةٌ بَعْدَ حُلُولِ الأَجَلِ.

وَفي الحديث أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

 «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ».


عِبدَ اللَّهِ:

تَخَيَّلْ نَفْسَكَ الآنَ... وَقَدِ انْطَوَتِ الدُّنْيَا، وَقُمْتَ مِنْ قَبْرِك، وَوَقَفْتَ عَارِياً خَاشِعاً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى...

فَنَادَاكَ بِاسْمِكَ، وَأَوْقَفَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَكَ هَذَا السُّؤَالَ الرَّبَّانِيَّ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ الْمَعَاذِيرُ:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾


...

فَمَا هُوَ جَوَابُك؟!

.

.

 * اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 * اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ غَرَّتْهُمُ الدُّنْيَا بِزُخْرُفِهَا، وَلا مِمَّنْ غَرَّهُمْ بِكَ الْغَرُورُ.

 * اللَّهُمَّ نَبِّهْنَا مِنْ رَقْدَةِ الْغَفْلَةِ، وَارْزُقْنَا حَيَاءً مِنْكَ يَحْجُزُنَا عَنْ مَعَاصِيكَ، وَتَوْبَةً نَصُوحاً قَبْلَ الْمَمَاتِ.

 * اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.

 ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].


عِبَادَ اللَّهِ:

>﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]؛


فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

ما غرك بربك الكريم؟ خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي