إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين .
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) .
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )
أما بعد
فاتقوا الله أيها المسلمون .
واتقوا النار تلك الدار التي أعدها الله للكافرين .
لقد أمرنا الله باتقاء النار .
فقال تعالى (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
وقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى).
وقال تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ. نذيراً للبشر) قال الحسن البصري: والله ما أُنذر العباد بشيء قط أدهى منها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( اتقوا النار ) .
وأمر بالاستعاذة منها.
كما قال صلى الله عليه وسلم (استعيذوا بالله من عذاب جهنم) متفق عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) متفق عليه.
ومن صفات عباد الله الخوف منها .
كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ) .
واتقاء النار يكون: بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.
وهناك بعض الأعمال التي تكون سبباً للنجاة من النار :
فمنها : الإيمان بالله.
قال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)
ومنها : قول لا إله إلا الله بإخلاص ويقين .
عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لمعاذ رضي الله عنه : (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ) متفق عليه .
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ) رواه مسلم .
وعن عِتْبَانَ بْن مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ) متفق عليه .
ومنها : المحافظة على الصلاة .
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيْدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، عَلَى وُضُوئِهَا، وَمَوَاقِيتِهَا ، وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا ، يَرَاهَا حَقًّا لِلَّهِ عَلَيْهِ حُرِّمَ عَلَى النَّارِ) رواه أحمد .
ومنها : الصدقة .
عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلاَثًا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ).
وقال صلى الله عليه وسلم (ليتق أحدكم وجهه النار ولو بشق تمرة) رواه أحمد.
وجاء عند الطبراني من حديث فضالة بن عبيد مرفوعاً (اجعلوا بينكم وبين النار حجاباً، ولو بشق تمرة).
ولأحمد عن عائشة بإسناد حسن (يا عائشة استتري من النار، ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان)
وقال صلى الله عليه وسلم (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) متفق عليه.
ومنها : البكاء من خشية من الله.
قال صلى الله عليه وسلم (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.
ومنها : الصيام .
قال صلى الله عليه وسلم (الصيام جُنة يستجن به من النار) .
وفي رواية (وحصن حصين من النار).
وقال صلى الله عليه وسلم (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.
ومنها : الاستجارة بالله من النار.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره من النار) رواه الترمذي.
ومنها : المحافظة على صلاة الفجر والعصر.
قال صلى الله عليه وسلم (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم.
ومنها : الجهاد.
قال صلى الله عليه وسلم (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار) رواه الترمذي.
ومنها : حسن الخلق.
قال صلى الله عليه وسلم (من كان سهلاً هيناً ليناً حرمه الله على النار)
ومنها : عتق الرقاب.
قال صلى الله عليه وسلم (من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار).
ومنها : الكلمة الطيبة.
قال صلى الله عليه وسلم (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة) .
قال النووي: فيه أن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار.
ومنها : غض البصر :
عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا ترى أعينهم النار : عين حرست في سبيل الله ، وعين بكت من خشية الله ، وعين غضت عن محارم الله ) رواه الطبراني .
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) .
باركَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعَني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم ولجميعِ المُسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول العالمين .نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد :
فاتقوا الله أيها المسلمون واعلموا أن دخول الجنة والنجاة من النار مطلب كل مسلم .
فالاستعاذة من النار من صفات عباد الرحمن .
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً).
وقال صلى الله عليه وسلم (اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم) رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم (من استعاذ بالله من النار ثلاثاً، قالت النار: اللهم أعذه من النار) رواه الترمذي.
والاستعاذة من جهنم تشمل أمرين: العذاب نفسه، والأسباب الموصلة إليها.
وكان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم :
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
وكان الصحابة يسألون عن ذلك :
عن أبي أَيُّوبَ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي سَفَرٍ...... ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ - أَوْ يَا مُحَمَّدُ - أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ .... ) .
وفي حديث معاذ: قلت يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: لقد سألت عن عظيم.
قال ابن رجب: وذلك لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جداً، ولأجله أنزل الله الكتب وأرسل الرسل، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل: كيف تقول إذا صليت؟ قال: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حولها ندندن.
ثم اعلَموا أن الله أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل ( إن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) .
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الراشِدين، الذين قضَوا بالحقِّ وبه كانُوا يعدِلُون: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعَل اللهم هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا رخاءً، وسائرَ بلادِ المُسلمين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكانٍ، اللهم عجِّل لهم بالفرَجِ والنصرِ والتمكينِ يا رب العالمين.
( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار ) .
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى .
( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرين ) .
