موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

وخالق الناس بخلق حسن / خطبة الجمعة مكتوبة

 الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى اَلظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اَلْمَلِكُ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اَلصَّادِقُ اَلْأَمِينُ، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ: فَاتُّقُوا اَللَّهَ -عِبَادَ اَللَّهِ- وَاعْلَمُوا أَنَّ اَلنَّجَاةَ لِـمَنْ حَقَّقَ اَلتَّقْوَى وَلَزِمَ طَرِيقَهَا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أَيُّهَا النَّاسُ: حَثَّنَا دِينُنَا عَلَى اَلتَّمَسُّكِ بِمَكَارِمِ اَلْأَخْلَاقِ، وَجَعَلَ مِيزَانَ اَلسِّرِّ تَقْوَى اَللَّهِ، وَمِيزَانَ اَلْعَلَانِيَةِ حُسْنَ اَلْخُلُقِ.

 فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ اَلْآخَرِ. 

وَتَرَى بَعْضَ اَلْمُسْلِمِينَ يَحْرِصُونَ عَلَى اَلْإِتْيَانِ بِالْفُرُوضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَالْبُعْدِ عَنِ اَلْمُحَرَّمَاتِ.

 وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَخْلَاقِهِمْ وَتَعَامُلَاتِهِمْ وَجَدْتَ فَرْقًا وَاسِعًا بَيْنَ اَلْعِبَادَةِ وَبَيْنَ اَلتَّعَامُلِ مَعَ اَلْخَلْقِ، فَتَرَى بَعْضَهُمْ سَرِيعَ اَلْغَضَبِ، غَلِيظَ اَلطَّبْعِ، عَبُوسَ اَلْوَجْهِ، كَلِمَاتُهُ جَارِحَةٌ، لَيْسَ عِنْدَهُ رِفْقٌ وَلَا لِينٌ. حَتَّى تَوَهَّمَ بَعْضُ اَلنَّاسِ أَنَّهُ إِذَا أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ كَفَاهُ ذَلِكَ عَنْ سَائِرِ اَلْأَعْمَالِ، وَهَذَا نَظَرٌ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ اَلتَّقْوَى لَا تَتِمُّ وَلَا تَكْتَمِلُ حَتَّى يُعْطِيَ اَلْإِنْسَانُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيُخَالِقَ اَلنَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ؛ حَيثُ قَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ اَلْأَلْبَانِيُّ. 

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ اِجْتِمَاعِ اَلْعِبَادَةِ مَعَ اَلْأَخْلَاقِ، مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ -أَيْ: بِقِطَعٍ مِنَ المَضِيرِ-، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الْجَنَّةِ». وَحُسْنُ اَلْخُلُقِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِطْرَةً فِي اَلْإِنْسَانِ تَزْدَادُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ طَرِيقِ مُجَاهَدَةِ اَلنَّفْسِ وَحَثِّهَا عَلَيْهِ اِبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ. وَقَدْ جَعَلَ رَبُّنَا مُحَمَّدًا ﷺ قُدْوَةً لِلْأُمَّةِ فِي تَطْبِيقِ هَذَا اَلدِّينِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ، لِيَكُونَ مَنَارًا لَهَا إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، حَيثُ يَقُولَ عَنْهُ رَبُّهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾. وَخَصَّهُ رَبُّهُ بِآيَةٍ جَمَعَتْ لَهُ مَحَامِدَ اَلْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَ اَلْآدَابِ، فَقَالَ فِيهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. فَكَانَ يَتَأَدَّبُ بِآدَابِ اَلْقُرْآنِ، وَيَأْتَمِرُ بِأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهِي عَنْ نَوَاهِيهِ. وَبَعَثَهُ رَبُّهُ بِإِتْمَامِ اَلْأَخْلَاقِ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ اَلْأَلْبَانِيُّ. فَكَانَ عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَعَ اَلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، رَفِيقًا حَلِيمًا مُتَوَاضِعًا، وَاسِعَ اَلصَّدْرِ دَائِمَ اَلْبِشْرِ، حَسَنَ اَلْخُلُقِ لَيِّنَ اَلْجَانِبِ، يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ، وَيَقِفُ مَعَ مَنِ اسْتَوْقَفَهُ، يَمْزَحُ بِالْحَقِّ مَعَ اَلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، يُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدَّاعِي. مَنْ عَامَلَهُ أَحَبَّهُ، حَتَّى يَظُنَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَحَبُّ اَلنَّاسِ إِلَيْهِ. فَتَحَ بِأَخْلَاقِهِ وَحُسْنِ تَعَامُلِهِ قُلُوبَ اَلْعَالَمَيْنِ، فَدَخَلَ اَلنَّاسُ فِي دِينِ اَللَّهِ أَفْوَاجًا مَحَبَّةً وَانْقِيَادًا، فَكَانَتْ لَهُمُ اَلنُّصْرَةُ وَالْغَلَبَةُ وَالتَّمْكِينُ. بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ البَيَانِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اَلدَّاعِي إِلَى جَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ، صَلَّى اَللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ اَلدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ حَثَّنَا نَبِيُّنَا ﷺ عَلَى اَلتَّحَلِّي بِحُسْنِ اَلْخُلُقِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ حُسْنَ اَلْخُلُقِ يُوصِلُ إِلَى اَلْجَنَّةِ، فَقَالَ ﷺ: «أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ» رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ اَلْأَلْبَانِيُّ. وَعَدَّ اَلنَّبِيُّ ﷺ حُسْنَ اَلْخُلُقِ مِنْ كَمَالِ اَلْإِيمَانِ، فَقَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا، أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اَلْأَلْبَانِيُّ. وَبَيَّنَ اَلْأَثَرَ اَلْعَظِيمَ وَالثَّوَابَ اَلْجَزِيلَ لِحُسْنِ اَلْخُلُقِ، فَقَالَ ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ» رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ اَلْأَلْبَانِيُّ. وَمِنْ عَلَامَاتِ اَلْخُلُقِ اَلْحَسَنِ: أَنْ يَكُونَ اَلْمَرْءُ مَا اسْتَطَاعَ كَثِيرَ اَلْحَيَاءِ قَلِيلَ اَلْأَذَى، كَثِيرَ اَلصَّلَاحِ صَدُوقَ اَللِّسَانِ، قَلِيلَ اَلْكَلَامِ كَثِيرَ اَلْعَمَلِ، قَلِيلَ اَلزَّلَلِ قَلِيلَ اَلْفُضُولِ، بَرًّا وُصُولًا وَقُورًا صَبُورًا، حَلِيمًا وَفِيًّا عَفِيفًا، لَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا، وَلَا نَمَّامًا وَلَا مُغْتَابًا، وَلَا حَقُودًا وَلَا بَخِيلًا وَلَا حَسُودًا، بَشَّاشًا هَشَّاشًا، يُحِبُّ فِي اَللَّهِ وَيُبْغِضُ فِي اَللَّهِ، وَيَرْضَى فِي اَللَّهِ وَيَسْخَطُ لِلَّهِ. هَذَا وَصَلَّوْا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، فَقَد أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ قَوْلًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تسليماً﴾، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِك وَرَسُولُكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمّ اُنْصُر أَهْلَ السُّنَّةِ والمجاهدينَ فِي سَبِيلِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُم عَلَى الْقَوْمِ الظّالِمِينَ، ونَجِّهِمْ بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وَاكْتُبْ لَهُمْ النّصْرَ وَالتَّمْكِينَ يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُ فِي رِضَاكَ، وارْزُقْهُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ، الَّتِي تَدُلُّهُ عَلَى الْخَيْرِ وَتَعَيُّنُه عَلَيْه، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يَا غَفُورُ يَا رَحِيمُ، اللَّهُم فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَهُمْ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنِ المدِيِنِينَ مِنْهُمْ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَاهُمْ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. سُبْحَانَ رَبِّك رَبَّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وخالق الناس بخلق حسن / خطبة الجمعة مكتوبة



عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي