موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

جبر الخواطر |خطبة الجمعة مكتوبة

 جَبْرُ الْخَوَاطِر

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" أَمَّا بَعْدُ :

 (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فَيَا أهلَ القُرآنِ كمَا إنَّ (الْجَبَّارَ) بمعنى القَّهارِ وهوَ الذي دانَ لهُ كلُّ شيءٍ، وخَضعَ لهُ كلُّ شيءٍ، ولا يقعُ في هذا الكونِ شيءٌ إلا بمشيئتِه سبحانَه، فما شَاءَ كانَ وما لمْ يَشَأْ لمْ يكنْ، فهو أيضاً بمعنى الرَّؤوفِ الجابرِ للقلوبِ المنكسرةِ، فيجبرُ الكسيرَ، ويُغْنِي الفقيرَ، ويُيِّسرُ على المعسرِ كلَّ عسيرٍ، ويُعيذُ من لاذَ بهِ ولجأَ إليهِ، ويُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا رفعَ يديهِ، فها هو سبحانَه يجبرُ قلبَ يوسفَ عليهَ السَّلامُ عندما ألقاهُ إخوتُه في البئرِ، فيوحي إليهِ بِشارةً لهُ وتخفيفاً عليهِ وتثبيتاً لقلبِه: (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ).

فجبرُ الخواطرِ، خُلقٌ كريمٌ، ومعنى عظيمٌ، من صفاتِ اللهِ تعالى التي يُحبُّ أن يراها في عبادِه المؤمنينَ، ولذلكَ كانَ الحظُّ الأَوْفَرُ منها لسيِّدِ المُرسلينَ، وإمامِ المتقينِ، عليه صلاةٌ وسلامٌ دائمينِ، وقد أوصاهُ اللهُ تعالى بعدمِ كسرِ الخواطرِ فقالَ: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، فالتزمَ بهذا لأنَّهُ كانَ خُلُقُه القرآنَ.

نحتاجُ أن نَجبرَ خاطرَ الحزينِ.. عَنْ ‏أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏‏قَالَ: كَانَ لِي أَخٌ صَغِيرٌ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمَازِحُهُ، ‏وَكَانَ لَهُ طائرٌ صَغيرٌ يُشبِهُ العُصفورِ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا، فَقَالَ: (مَا شَأْنُهُ؟)، قَالُوا: مَاتَ ‏نُغَرُهُ، ‏فَقَالَ مواسياً له وجابراً لقلبِه: (يَا ‏‏أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ ‏ ‏النُّغَيْرُ؟) رواه البخاري ومسلم، ولكم أنْ تتخيلوا شعورَ هذا الغلامِ وهو يسترسلُ في حديثِه للنَّبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ عن النُّغَيْرِ وذِكرياتِه ومشاعرِه، وما لهذا الحديثِ من الأثرِ في جبرِ خاطرِ الصغيرِ، وتسليةِ قلبِه الكسيرِ.

نحتاجُ أن نَجبرَ خاطرَ المُصابَ، اسمعوا إلى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضيَ اللهُ عنهُما وهو يذكرُ كيفَ جبرَ بقلبِه النَّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ لمَّا لاحظَ عليه الحُزنَ والانكسارَ، يقولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: (يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: (أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟)، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحاً، فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ) أخرجه الترمذي وصححه الألباني، فيا اللهَ، هل تتصوَّرونَ حالَ جابرٍ، بعدَ هذا الخبرِ الجَابرِ؟!                                            

نحتاجُ أن نقولَ للمكلومِ: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ، إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ!

قل للمريضِ: شفاكَ اللهُ وأعانَك، وكتبَ لكَ الأجرَ وأثابكَ، وأبشرْ.. فقد وعدَ اللهُ تعالى الصَّابرينَ أجراً بغيرِ حسابٍ، وإنمَا هيَ ساعاتٌ وأيامٌ ثُمَّ مردُّنا إلى يومِ الحسابِ، ثُمَّ الجزاءُ والجنَّةُ والعَطاءُ والثَّوابُ.

قل للفقيرِ: انظرْ إلى أمسِك فقدْ ذهبَ بما فيهِ منْ خيرٍ وشرٍّ، وفي الغدِ رزقٌ سيأتيكَ سواءٌ كنتَ في برٍّ أم في بحرٍ، وليسَ بينكَ وبينَ الغنيِّ إلا يومُك هذا فاصبِرْ.. وادعُ له: رزقكَ اللهُ تعالى من واسعِ فضلِه.

قُلْ للجميعِ كلمةً طيِّبةً لعلَّها تكونُ سبباً في نهايةِ الآلامِ، إذا لمْ يكنْ عندكَ مالٌ تعينُ بهِ على نوائبِ الأيامِ:

لا خَيلَ عِندَكَ تُهديها وَلا مالُ      فَليُسعِدِ النُطقُ إِن لَم تُسعِدِ الحالُ

أقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكمْ، فاستغفروهُ إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.


الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا هوَ الملكُ الحقُّ المبينُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الأمينُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ، والتابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.. أمَّا بعدُ:

عبادَ الله، يدخل في جبر الخواطر البشاشةُ والتهنئةُ، والمصافحةُ والمعانقةُ، والمشاركةُ في سرور وفرح، أو في بكاء وترح، فهذه عائشة -رضي الله عنها-، تذكَّرت في حادثة الإفك، امرأة من الأنصار شاركتها في حزنها بدمعات كان لها أعظم الأثر والمواساة، (ففي الصحيحين)، قالت عائشة -رضي الله عنها-: "وقد بكيتُ ليلتين ويوما، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى إني لَأظن أن البكاء فالِقٌ كَبِدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذَنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي"، وهكذا حال كثير من أساليب جبر الخواطر، يكفي فيها ابتسامة صادقة، أو كلمة حانية، أو اعتذار عن خطأ أو دعاء.

وليكن أخي المبارك لأهلك من جبر القلوب أوفر الحظ والنصيب، وخاصة الوالدين والزوجة والأبناء، والإخوة والأخوات وبقية القرابات، فاجبروا الخواطر، وشارِكُوا الإخوان في المشاعر، وتذكروا أنها عبادة جليلة يجازي عليها الجبار بأجور عظيمة، 


عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا! 

اللهمَّ صلِّ على محمّدٍ وعلَى آلِ محمّدٍ كمَا صلّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ، اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَذِلَّ الشركَ والمشركينَ، ودَمِّرْ أعداءَ الدين. 

اللهمَّ اجعلْ لنَا وللمسلمينَ من كلِّ همٍّ فرجاً، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجاً، ومنْ كلِّ بلاءٍ عافيةً، اللهمَّ اصرفْ عنَّا شرَّ الأشرارِ، وكيدَ الفجَّارِ، وشرَّ طوارقِ الليلِ والنهارِ.

اللهم اجبر خواطرنا برحمتك وفضلك، اللهم اجبر خواطرنا برحمتك وفضلك، وجودك وكرمك ومنتك يا أرحم الراحمين، وأدخلنا جنتك من غير حساب ولا عقاب، مع آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأزواجنا وذرياتنا، اللهمَّ اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا أنتَ، واصرفْ عنَّا سيئَها لا يصرفُ عنا سيئَها إلا أنتَ.

 سبحانَ ربِّك ربِّ العزةِ عمّا يصفونَ، وسلامٌ على المرسلينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

جبر الخواطر / خطبة الجمعة مكتوبة



عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي