الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ، جعلنا من خيرِ الأممِ، وأسبغَ علينا ما لا يُحصى من النعمِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه ومن تبعَهم إلى يومِ الدينِ.
أما بعد: أُوصيكم بوصيةِ اللهِ تعالى للأولين والآخرين: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)
أَيّهَا الْمُسْلِمُونَ ، إنَّ النَّاظِرَ لِلْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِيَجِدُ أَنَّ الْقَصَص وَالْحَوَادِثَ قَدْ أَخَذَتْ حيزًا كبيرًا مِنْ آيَاتِهِ وخطاباتِه ونداءاتِه ، وَفِي كُلِّ قِصَّةٍ عِبْرَة وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ . وَمِنْ هَذِهِ الْقِصَصِ الْعَظِيمَةِ قِصّةِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ فِي عَهْدِهِ ، وَهِيَ أَكْثَرُ القَصصِ الْقُرْآنِيّ تكرارًا ؛ وَذَلِك لمشابهتِها لَمَّا كَانَ يُعَانِيه الرَّسُولُ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ , وَلِمَا فِيهَا مِنْ التَّسْلِيَة لَه وَلِلْمُؤْمِنِين حِينَمَا يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أَذًى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ، وَلِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعِظَاتِ الْبَالِغَةِ وَالدُّرُوسِ وَالْحُكْمِ الْبَاهِرَةِ وَالْحُجَجِ وَالْآيَاتِ الْقَاطِعَةِ .
عِبَادَ اللَّهِ : لَقَدْ تَعَمَّدَ فِرْعَوْنُ قَتْل أَبْنَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ ؛ لِأَنّهُ بَلَغَهُ أَنَّ غلامًا مِنْهُم سَيُولَدُ يَكُونُ هَلَاكُ حَاكِمِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ ، فانزعجَ لِذَلِكَ وَأَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، ثُمّ خَشِي انْقِرَاضُ شُعْبَة ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمَوَالِيد سُنَّةٌ وَتَرَكِهِم سُنَّةٌ ، فَيُقَدِّرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُولَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُقْتَلُ فِيهَا الْمَوَالِيد مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وُلدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ولِد وَالْخَطَر محدِقٌ بِه والموتُ يتلفَّتُ عَلَيْه، و أمّه حائِرةٌ به خائفة عليه، وهنا يلقِي الله في روعِها الإيمانَ والأمانَ،( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ) يا لله! إذا خِفتِ عليه وهو بين ذِراعَيك وفي دِفءِ يَدَيك فألقِيهِ في اليمّ، نَعم ألقيه في اليمّ، فإنّه هنا في رعايةِ الله، يكلؤُه ويَرعاه، إنها الرعاية الإلهية التي تجعل النارَ بردًا وسلامًا وتجعَل البحرَ ملجَأ ومنامًا.
وهكذا كان إيمانُ تلكَ الأمّ وكان يقينُها ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ )، وهل يُخشى عليه إلا من آل فرعون؟! ولكنَّ إرادةَ الله تتحدّى فرعونَ، ومَنع الله موسَى من قَبول المراضِع ، وبعدَ أن كان فِرعونُ يبحَث عنه ليقتلَه صارَ يلهَث لحياته؛ يلتمِس مُرضِعًا يقبَلها الصَّغير، خوفًا عليه مِنَ الذّبول أو الموتِ، فتَدُلُّهم أختُه على أمِّه،ويعود الطفلُ الغائِب إلى أمِّه، ويتحقَّق وعدُ الله، يعودُ الطفل يحمِيه فرعونُ، وترعاه امرأته، وتسعَد به أمّه، وتأخذ على رضاعِه الهدايا والعطايا، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . إنَّ لله تدبيرًا وتقديرًا، فأين المؤمِنون؟! أين المصابِرون؟! أين المبتلَون؟! أين الموقِنون؟!
وإذا العنايةُ لاحظَتك عُيونها نَم فالحوادِث كلّهنّ أمان وتتوالى المواقف والأحداث ليأتي الأمر الإلهي لعبده ونبيه موسى بالبدء بالدعوة: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ، ويبدأ موسى في دعوة فرعون وملئه بادئًا خطابه: فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى.
أَيّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَحِين نتجاوزُ كثيرًا مِنْ الْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاقِفِ وَنَصِلُ إلَى نِهَايَةِ الْقِصَّةِ نَجِدُ الْعِبْرَةَ فِيهَا أَكْثَرُ وَالدُّرُوسَ أَبْلَغُ، فَهَذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْرُجُ بِقَوْمِه مُهَاجِرِين بِدِينِهِم تارِكين ديارَهم، يَبْحَثُونَ عَنْ مكانٍ آخَر يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ، فخرج فرعون وجنوده في أثرهم، حتى أدركهم عند البحر، فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون فالبحر أمامهم، والعدو خلفهم، فأجابهم موسى بلسان المؤمن الواثق بأن الله معه ولن يضيعه، وقال لهم بكل ثقة وثبات: كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ، وحين يكمُل الإيمان تنزل نصرةُ الرحمن، فأمر الله البحرَ فانفَلق طُرُقًا يابِسةً،( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى )، فعبروا بحِفظ الله، فأتبعهم فرعونُ بجنوده، وأمر الله البحرَ فانطَبق على فرعون وجنوده، وأغرقَه ومن معه في عاقبةٍ مُهينة للكبر والطغيان،
إنها هزيمةُ الدنيا والآخرة جَزاءَ البغي والاستطالة، وقد أنجى الله تعالى موسى وقومَه حين التزموا أمرَ الله وصبروا وأقاموا الصلاة كما في سورة يونس.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلاّ اللَّه تعظيمًا لِشَأْنِه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ
عِبَادَ اللَّهِ كَانَ إهلاكُ اللَّهِ تَعَالَى لفرعونَ وجنودِه ونجاةُ مُوسَى وَقَوْمَهُ فِي مثل هذا الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ محرَّمٍ، فَصَامَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْيَوْمِ شكرًا لِلَّهِ تَعَالَ، وَصَامَه نبيُّنا محمّدٍ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ الْمَدِينَةِ فَرَأَى الْيَهُود تَصُوم عَاشُورَاء فَقَال: ((ما هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي تصومونه ؟ )) قَالُوا : هَذَا يَوْمُ عَظِيمٌ ، أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمُه ، وغرَّق فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ، فَصَامَه مُوسَى شكرًا ، فَنَحْن نصومه ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ((فنحن أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى منكم)) ، فَصَامَه رَسُولُ اللَّهِ وَأَمْرِ بِصِيَامِهِ وَمِنَ التَّوْفِيقِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مُكَفِّرَاتِ الذُّنُوبِ، وَأَنْ يَلْتَزِمَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ؛ فَإِنَّ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ الَّتِي تُسْتَجْلَبُ بِهَا مَحَبَّةُ اللهِ تَعَالَى، وَهَلْ جَدَّ النَّاسُ فِي العِبَادَاتِ، وَمَشُوا فِي الظُّلَمِ لِلطَّاعَاتِ، وَفَارَقُوا لَذَائِذَ الشَّهَوَاتِ إِلاَّ وَهُمْ يَطْلُبُونَ مَحَبَّةَ المَوْلَى جَلَّ فِي عُلاَهُ؟! [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]
ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله، فقد أمركم الله بذلك حيث يقول جل في علاه: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسيماً
اللّهمّ صلِّ وسلِّم وزد وبارك على عبدِك ورسولك محمّد وعلى آلِه وصحبه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات،
سبحان ربِّك ربِّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.