إنَّ الحَمْدَ لله، نحمدُهُ ونَستَعِينُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمالنا، مَنْ يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، مُجِيبٌ لمن دَعَاه، لا يُخَيِّبُ مَن رَجَاه، وأشهدُ أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، ونبيُّه ومُصْطَفَاه، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آله وأصحابه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا..
أمَّا بعدُ عِبادَ الله: فَأُوصِيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالى، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ).. مَنْ أَخْلَدَ إلى الأَرْضِ؛ بَانَتْ نَدَامَتُه، ومَنْ سَابَقَ في المَلَذَّاتِ؛ زَادَتْ حَسْرَتُه، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيا، ولا تُلْهِيَنَّكُمْ عَنِ الآخِرَة.. اللهُمَّ أَقِلِ العَثْرَةَ، واعْفُ عَنِ الزَّلَّة، وعُدْ بِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلِ مَنْ لم يَرْجُ غَيْرَك؛ فإنَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَة، لَيْسَ لِذِي خَطِيئَةٍ مِنْ خَطِيئَتِهِ مَهْرَبٌ إلَّا إِلَيْك.
أيُّهَا المُسْلِمُون: لَئِنْ مَضَى أَكْثَرُ شَهْرِنَا فَلَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ أَرْجَاه، ولَئِنْ تَصَرَّمَتْ أيَّامُهُ فقَدْ بَقِيَ مِنْهَا مَا تَكُونُ بِهِ النَّجَاة، ولَئِنْ تَرَحَّلَتْ بَعْضُ لَيَالِيه؛ فَإِنَّ أمَامَكُمْ لَيَالٍ؛ يَتَحَقَّقُ فِيهَا لِلْعَبْدِ مُنَاه.. وإنَّك لَا تَعْلَمُ أَيَّ سَاعَةٍ سَوْفَ تُظِلُّكَ فِيهَا الرَّحَمَات، وتَطَالُكَ فِيهَا النَّفَحَات، وأَيَّ لَيْلَةٍ تُعْتَقُ فِيهَا مِنَ النَّارِ لِتَلْحَقَ بِرَكْبِ الأَبْرَار، فَقَدْ بَارَكَ اللهُ الشَّهْرَ كُلَّ الشَّهْر، ولم تَزَلْ أَبْوَابُ السَّمَاوَاتِ مُشْرَعَة، ولم تَزَلِ المَلَائِكَةُ كَاتِبَة، ولَنْ يَمَلَّ مُوَفَّقٌ مِنْ خَيرٍ حتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجنَّة.
وقَدْ سَنَحَتْ هَذِهِ السَّوَانِحُ لِأَقْوَامٍ قَبْلَكُمْ، فَسَوَّفُوا وأَمَّلُوا حتَّى جَاءَتْهُمُ السَّكْرَةُ عَلَى حِينِ غِرَّة، فأَمْسَوْا خَبْرًا مِنْ أَخْبَارِ المَاضِين.. وأَنْتُمْ بَعْدُ في المُهْلَةِ، فمَا أَنْتُمْ فَاعِلُون؟! ولم تَزَالُوا في دَارِ العَمَلِ، فَكَيْفَ تَصْنَعُون؟!
في رَمَضَانَ -عِبَادَ الله-؛ تَتَجَلَّى هِبَاتُ اللهِ وعَفْوُه؛ فِيهِ تَتَضَاعَفُ الأَعْمَالُ، وتُكَفَّرُ الخَطَايَا والآثَام.. وقَدْ كانَ هَدْيُ نَبيِّنا مُحمَّدٍ ( في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَتَمَّ الهَدْيِ وأَكْمَلَه؛ إِذْ هِيَ لَيَالٍ عَظَّمَ اللهُ أَمْرَهَا، وأَعْلَى ذِكْرَهَا، وأَجْزَلَ أَجْرَها، (كَانَ النبيُّ ( إذَا دَخَلَ العَشْرَ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أَهْلَه).
فِيهَا لَيْلَةُ القَدْر؛ العِبَادَةُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْر؛ كَرَامَةً مِنَ اللهِ ورَحْمَة، ولو أرَادَ اللهُ إِطْلَاعَ خَلْقِهِ عَلَيْهَا لَفَعَل، فَعَلَيْكُمْ بِالعَمَل. وكُلُّ لَيَالي العَشْرِ حَرِيَّةٌ بها، وأَرْجَاهَا لَيَالي الوِتْر، وأَرْجَاهُنَّ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، وفي كُلِّ لَيْلَةٍ للهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّار.
وكانَ ( يُصَلِّي بالنَّاسِ حتَّى يَخْشَوْنَ فَوَاتَ السَّحُور، وكانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَان، فيُلَازِمُ المَسْجِدَ، ويَعْمُرُ لَيْلَهُ ونَهَارَهُ بِالعِبَادَة، ويَتَحَرَّى مَعَ الصَّحْبِ الكِرَامِ في هَذِهِ الَّليَالي لَيْلَةَ القَدْر، قالَ (: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيْمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه).
وإنَّما سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لِعِظَمْ قَدْرِهَا، وعُلُوِّ شَأْنِهَا، ولِمَا يُقَدِّرُهُ اللهُ فِيهَا مِنَ القَضَاء، ويَقْسِمُهُ مِنَ الأَرْزَاقِ والآجَال.. أَنْزَلَ اللهُ فِيهَا القُرْآنَ وبَارَكَها، فَقَالَ سُبْحَانَه: (حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، وأَنْزَلَ في شَأْنِهَا سُورَةً كَامِلَة: بسم الله الرحمن الرحيم، (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).
عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ ( قال: خَرَجَ النبيُّ ( لِيُخْبِرَنا بِلَيْلَةِ القَدْر، فتَلَاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِين، فَقَال: (خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْر، فتَلَاحَى فُلَانٌ وفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُم، فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ والسَّابِعَةِ والخَامِسَة) رواهُ البخاري. وهَذَا دَلِيلٌ عَلَى شُؤْمِ الخِلَافِ والنِّزَاعِ والفُرْقَةِ ومَا يَمْنَعُ مِنَ الخَيْر.
اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم؛ اجْعَلنا ممَّنْ يَقُومُ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا، واكتُبْنَا ووَالِدِينا وأَهْلِينا مِنْ عُتقَائكَ مِنَ النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.
بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية/
الحمدُ لله علَى إحسانِه، والشّكرُ له علَى توفيقه وامتِنانِه، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشَأنه، وأشهَد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُه ورَسوله، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحَابه.. أما بعد:
أيُّها المُؤمِنُونَ الصَّائِمُون: أَلِحُّوا عَلَى اللهِ في الدُّعَاء؛ فإنَّهُ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ المُلِحِّينَ في الدُّعَاء. تَضَرَّعُوا لَهُ وارْجُوه، واطْلُبُوا خَيْرَيْ الدُّنْيَا والآخِرَةِ لَكُمْ ولِأَهْلِيْكُمْ ولِقَرَابَتِكُمْ ولِبِلَادِكُمْ ولِلْمُسْلِمِين.. أَلِحُّوا فإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلِحِّين؛ كَمْ صَلَحَتْ بالدُّعَاءِ أَحْوَالٌ لم يَخْطُرْ بِبَالٍ أنَّها تَصْلُح! وكَمْ نَامَ مَكْرُوبٌ فَأَتَاهُ رَجَاهُ قَبْلَ أنْ يُصْبِح! وكَمْ مِنْ مَغَالِيقَ تَفَتَّحَتْ وكَانَتْ في ظُنُونِ النَّاسِ لَنْ تُفْتَح!
إنَّ اللهَ يُحِبُّ قُنُوتَ المُخْبِتِين، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، وفي ثَنَايَا آيَاتِ الصِّيَام: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قال: (قُوْلِي: اللهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) حديثٌ صحيحٌ أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.
اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم؛ تقبَّلْ مِنَّا صِيامَنَا، وقِيَامَنَا، ودُعَاءنا، وصَالِحَ أَعْمَالِنا، واغفِرْ لنا تَقْصِيرَنا، وتَفْرِيطَنا، وجَهْلَنا، وإسْرَافَنا في أَمْرِنا، ووَفِّقْنَا اللهُمَّ لِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابا، وأَعِنَّا في هذهِ الليالي عَلَى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ، يا رب العالمين.
ثمّ اعلموا أنّ الله أمرَكم بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقالَ في محكمِ التّنزيل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلدَ آمنًا مطمئنًا، سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.
اللَّهم أصلح قلوبَنا، واشرح صدورَنا، ويسِّر أمورَنا، واقضِ حاجاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا، وبلِّغنا فيما يُرضيكَ آمالنا، واُنْصُر اللهم جنودنا، اللهم اِرْبِطْ على قلوبـهم، وثبِّت أقدامهم، واحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وشمائلهم ومن فوقهم، ونعيذهم بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم يا رب العالمين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
