إنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا.
أمَّا بَعْدُ: فَأُوْصِيْكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا ) . أخرجه أحمد
من المتبادر للذهن أن نقول بأن تلك الفسيلة تحتاج سنوات لتنتج، فما فائدة زراعتها؟
فيأتي منهج الإسلام ليعلمنا أن العمل غاية وإن لم نر النتيجة، هذا واجب المسلم وهذه مهمته، فالواجب والمهمة ينتهيان به هناك عند غرس الفسيلة في الأرض، لا في التقاط الثمار.
وهنا يحضرني قول الله تعالى لإبراهيم عندما أمره بعد انتهائه من بناء البيت أن يؤذن للناس بالحج ، فقال تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) الحج/27
قال ابن كثير في تفسيرها: أي: ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟
فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
أنت مأجور على كل عمل صالح تقوم به.
فالإنسان إما أن يكون في عمل دنيا لنفعه ونفع غيره، وإما في عبادة، والعمل الصالح الذي ينوي به العبد وجه الله هو عبادة يؤجر عليها وينال ثوابها.
– لا تحتقر عملك، وإن قل، وأنت مأجور في عملك.
أَيُّهَا النَّاسُ: اَلْمُسْلِمُ فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ اَلصَّالِحِ، وَهُوَ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلثَّوَابُ وَالْأَجْرُ، وَأَمَّا ثَمَرَةُ اَلْعَمَلِ وَعَاقِبَتُهُ، فَقَدْ يَنَالُهَا اَلْمُسْلِمُ فِي اَلدُّنْيَا، وَقَدْ تَتَأَخَّرُ إِلَى اَلْآخِرَةِ.
*** فَلَا تَنْتَظِرِ اَلثَّمَرَةَ عِنْدَمَا تَعْمَلُ خَيْرًا لِأَحَدٍ مِنَ اَلْبَشَرِ، وَإِنَّمَا اعْمَلْهُ لِلَّهِ تَعَالَى، رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَلَا تَنْدَمْ إِذِ النَّاسُ جَحَدُوكَ، وَلَا تَحْزَنْ إِنْ ذَمُّوكَ، وَقُلْ كَمَا قَالَ اَلْأَبْرَارُ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾، وَتَذَكَّرْ دَائِمًا وَعْدَ اللهِ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيْعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
*** لَا تَنْتَظِرِ اَلثَّمَرَةَ إِذَا نَصَحَتْ أَحَدًا نَصِيحَةً خَالِصَةً، تَرْجُو لَهُ اَلتَّوْفِيقَ وَالصَّلَاحَ، وَتُحِبُّ لَهُ اَلْخَيْرَ وَالْفَلَاحَ، ثُمَّ رَأَيْتَهُ مُسْتَكْبِرًا مَعْرِضًا عَنْ طَرِيقِ اَلْحَقِّ وَالرَّشَادِ، فَلَا تَسْتَغْرِبْ مِنْهُ اَلْجُحُودَ وَالنُّكْرَانَ، فَقَدْ قَالَ اَللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾، بَعْدَ نُصْحِكَ لَهُمْ، وَشَفَقَتِكَ عَلَيهِمْ، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، تَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ وَتُحَاسِبُهُمْ عَلَيهَا، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، هَذِهِ مُهِمَّتُكَ فَقَطْ، سَوَاءً اسْتَجَابُوا أَمْ أَعْرَضُوا، قَبِلُوا أَمْ رَفَضُوا.
لَا تَنْتَظِرِ اَلثَّمَرَةَ عِنْدَمَا تَتَصَدَّقُ عَلَى أَحَدٍ أَوْ تُقَدِّمُ لَهُ مَعْرُوفًا، فَلَا تَطْلُبْ مِنْهُ دُعَاءً، وَلَا تَنْتَظِرْ مِنْهُ ثَنَاءً، فَعَطَاءُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
*** لَا تَنْتَظِرِ اَلثَّمَرَةَ عِنْدَمَا تُحَسِّنُ أَخْلَاقَكَ، فَقَدْ يُسَاءُ إِلَيْكَ، وَإِذَا سَلَّمْتَ عَلَى أَحَدٍ، فَقَدْ لَا يَرُدُّ عَلَيْكَ، وَإِذَا اِبْتَسَمَّتْ فِي وَجْهِ أَحَدٍ، فَقَدْ يَعْبَسُ فِي وَجْهِكَ، وَإِذَا أَلَنْتَ اَلْكَلَامَ لِأَحَدٍ، فَقَدْ يَغْلُظُ عَلَيْكَ، وَقَدْ يُقَالُ عَنْ تَوَاضُعِكَ أَنَّهُ ضَعْفٌ، وَعَنْ عَفْوِكَ أَنَّهُ ذُلٌّ، وَلَكِنْ تَذَكَّرْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
فَاعْمَلْ صَالِحًا وَاعْلَمْ أَنَّ اَللَّهَ بِمَا تَعْمَلُ عَلِيمٌ، وَوَطِّنْ نَفْسَكَ أَنْ تَعْمَلَ اَلْعَمَلَ خَالِصًا لِلَّهِ.
** فَأَنْتَ تُحْسِنُ إِلَى وَالِدَيْكَ سَوَاءً أَعْطَوْكَ أَمْ مَنَعُوكَ، وَسَوَاءً عَدَلُوا مَعَكَ أَوْ ظَلَمُوكَ، فَتُحْسِنُ إِلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ اَللَّهَ أَوْصَاكَ بِهِمَا فَقَالَ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾.
** وَأَنْتَ تُرَبِّي وَلَدَكَ وَتُؤَدِّبُهُ، سَوَاءً بَرَّ بِكَ أَوْ عَقَّكَ، وَسَوَاءً أَحْسَنَ إِلَيْكَ أَوْ أَسَاءَ، فَتُحْسِنُ تَرْبِيَتَهُ؛ لِأَنَّ اَللَّهَ أَوْصَاكَ بِهِ فَقَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
** وَأَنْتَ تُعَاشِرُ زَوْجَتَكَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَكُونُ لَهَا خَيْرَ زَوْجٍ لِزَوْجَتِهِ، سَوَاءً شَكَرَتْ ذَلِكَ أَوْ جَحَدَتْ، وَسَوَاءً عَابَتْ ذَلِكَ أَوْ مَدَحَتْ، فَتُحْسِنُ الْعِشْرَةَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
** وَأَنْتَ تَصِلُ رَحِمَكَ، سَوَاءً وَصَلُوكَ أَوْ قَطَعُوكَ، وَسَوَاءً أَكْرَمُوكَ أَوْ حَرَمُوكَ، فَتَصِلُ رَحِمَكَ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيْهِ مِنَ البَيَانِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الحَمْدُ للهِ حَمَدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلِّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُه وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مَنْ كَانَتِ اَلدُّنْيَا هَمَّهُ وَطَلَبَهُ وَنِيَّتَهُ، جَازَاهُ اَللَّهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي اَلدُّنْيَا بِالْعَافِيَةِ وَسَعَةِ اَلرِّزْقِ، ثُمَّ يَأْتِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَلَيْسَ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا جَزَاءً، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وَأَمَّا اَلْمُؤْمِنُ اَلْمُخْلِصُ اَلَّذِي يُرِيدُ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اَللَّهِ وَالدَّارَ اَلْآخِرَةَ، فَيُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي اَلدُّنْيَا بِالحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، وَيُثَابُ عَلَيْهَا فِي اَلْآخِرَةِ بِالجَنَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
اَللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَاجْعَلْهَا لِوَجْهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيْئًا.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ اُنْصُر أَهْلَ السُّنَّةِ والمجاهدينَ فِي سَبِيلِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ انْصُرْهُم عَلَى الْقَوْمِ الظّالِمِينَ، ونَجِّهِمْ بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، وَاكْتُبْ لَهُمْ النّصْرَ وَالتَّمْكِينَ يَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يَا غَفُورُ يَا رَحِيمُ، اللَّهُم فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَهُمْ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنِ المدِيِنِينَ مِنْهُمْ، وَاشْفِ مَرْضَانَا وَمَرْضَاهُمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فَاذْكُرُوا اللهَ العَلِيَّ الجَلِيْلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ عَلَى آلَائِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ.
.png)