موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

من أسباب المغفرة ( خطبة الجمعة )

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد :
فهذه خطبة جمعة ألقيتها في مسجدنا العامر عن أسباب المغفرة.
وقد بدأت الخطبة بمقدمة مشوقة عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: بينما رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر. 
وفي حديث آخر في الصحيحين أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به.

والظاهر من هذه الأحاديث أن الله تعالى غفر لهما بهذا الفعل الذي ينم عن الشفقة والرحمة التي هي سبب من أسباب رحمة الله تعالى لمن تخلق بها.

السبب الأول من أسباب المغفرة : 

الإحسان إلى خلق الله عزوجل :
من أكبر أسباب المغفرة .
فهذا الرجل سقى الكلب فنظر الله جل جلاله إلى عمله فشكر له فغفر له ! سبحان الملك ! فالعمل يسير لكنه عظيم عند الله تبارك وتعالى .
والمقصود من الإحسان إلى الخلق إلى الخلق جميعًا بشرًا وحيوانات، فحتى الحيوان له قدر عندنا وإطعامه لنا به أجرًا .
وأذكر قصة رجل غفر الله له بإطعامه رغيفًا لمسكين !
فقد ذكرها صاحب كتاب حلية الأولياء صفحة 263 فقال: لما حضر أبا موسى الوفاة ، قال : يا بني اذكروا صاحب الرغيف ، قال : كان رجل يتعبد في صومعة - أراه قال : سبعين سنة - لا ينزل إلا في يوم واحد ، قال : فشبه - أو شب الشيطان - في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام أو سبع ليال ، قال : ثم كشف عن الرجل غطاؤه فخرج تائبًا ، فكان كلما خطا خطوة صلى وسجد فآواه الليل إلى دكان كان عليه اثنا عشر مسكينا فأدركه العياء فرمى بنفسه بين رجلين منهم ، وكان ثم راهب يبعث إليهم كل ليلة بأرغفة فيعطي كل إنسان رغيفا ، فجاء صاحب الرغيف فأعطى كل إنسان رغيفًا ، ومر على ذلك الرجل الذي خرج تائبًا فظن أنه مسكين فأعطاه رغيفًا ، فقال المتروك لصاحب الرغيف : ما لك لم تعطني رغيفي ما كان بك عنه غنى ؟
 فقال : أتراني أمسكته عنك ؟ سل هل أعطيت أحدًا منكم رغيفين ؟ 
قالوا : لا ، قال : تراني أمسكته عنك ! والله لا أعطيك الليلة شيئًا ، فعمد التائب إلى الرغيف الذي دفعه إليه فدفعه إلى الرجل الذي ترك ، فأصبح التائب ميتًا ، قال : فوزنت السبعون سنة بالسبع الليالي فرجحت السبع الليالي ، ثم وزنت السبع الليالي بالرغيف فرجح الرغيف ، فقال أبو موسى : يا بني اذكروا صاحب الرغيف .
فهذا الرجل مع أنه تصدق بالرغيف الذي تُصدق به عليه فقد غفر الله له بهذا الرغيف لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء) فلا تستصغر معروفًا ربما يكون فيه نجاتك بين يدي الله عزوجل غدًا.
السبب الثاني : 
المسارعة إلى التوبة والاستغفار :
قال الله جلاله : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، وكذلك آيات التوبة والاستغفار التي تهبُّ منها نسمات رحمة الله بعباده المذنبين، فاتحةً باب الأمل في قبول التوبة، وغفران الذنوب، بل وإبدال الذنوب حسنات للتائبين الصادقين في توبتهم، قال جل جلاله ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70].

فالله - عز وجل - من رحمته بخَلقِه، ومزيدِ فضله على عباده، أنه فتح لهم بابَ الرجاء في العفو والمغفرة، بالاستغفار، فأهل الإيمان، وأرباب المعرفة بالله، إذا أذنبوا استغفروا، وإذا أساؤوا أنابوا، كيف لا وقد بشَّرهم المولى - سبحانه وتعالى- بقوله: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الحجر: 49]، وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]؟
والله - سبحانه وتعالى - لما أثنى على عباده بالاستغفار، قيَّده بعدم الإصرار؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].
والاستغفار: طلب المغفرة قولاً وفعلاً، والغفران والمغفرة: هو أن يصون الله - عز وجل - العبدَ من أن يمسه العذابُ.
حقيقة الاستغفار:
كثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال أستغفر الله، زال الذنب، وراح هذا بهذا، وذلك من مغالطة النفس؛ لأن الاستغفار الحقَّ ما تواطأ عليه القلبُ واللسان، وظهر أثرُه على الجوارح، فخرج به العبد من الفعل المكروه، إلى الفعل المحبوب، ومن العمل الناقص، إلى العمل التام.
والله - سبحانه وتعالى - لما أثنى على عباده بالاستغفار، قيَّده بعدم الإصرار؛ قال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135].
المعنى: أخبر - سبحانه وتعالى - عن شأن عباده المؤمنين، إذا صدرت منهم أعمالٌ سيئة، من ظلم النفس، فذكروا حق الله - سبحانه وتعالى - وعظمته الموجبة لخشيته وخوفه، والحياء منه، وتذكَّروا كذلك وعدَه ووعيده، فبادروا بطلب المغفرة منه - عز وجل - فإنه لا يغفر الذنوبَ أحدٌ سواه، ولم يُصرُّوا على قبيح فعلهم، وهم عالمون بقبحه، والنهيِ عنه، والوعيدِ عليه.

السبب الثالث : اتباع السيئة الحسنة :

الذي يكفر السيئات بعد التوبة والاستغفار: الأعمال الصالحة، والحسنات الماحية المكفرة للأوزار، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينًا هذا المعنى (وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُهَا).
 وهذه الكفارات منها ما هو مقدر معين، ومنها ما هو ليس بمقدر ولا معين، فالمجامع في نهار رمضان، والمظاهر من امرأته، والمرتكب لبعض محظورات الحج، أو تارك لبعض واجبات الحج، عليه كفارة مقدرة معينة جاءت في الشرع، أو الذي قتل صيداً وهو محرم كفارة مقيدة في الشريعة، لم تخرج عن أربعة أجناس:
هدي، وعتق، وصدقة، وصيام.
 فهذه أربعة تدور عليها المكفرات المقيدة التي وردت في الشريعة، وهناك كفارات مطلقة تكفر الذنوب بدون تقييد بعدد معين، أو وصف معين، كما جاء في حديث حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله وولده-يعني معصية الرجل في أهله وماله وولده- يكفرها الصلاة والصدقة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
 وقد دلت الأحاديث الصحاح على أن  الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان ، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر. 
هكذا كل الأعمال الصالحة التي يقال فيها: من عمل كذا غفر له، من عمل كذا غفر له، هذه كفارات أعمال صالحة مكفرة بدون تقييد معين للذنوب والأوزار، وهي كثيرة والحمد لله على نعمه وفضله في ديننا.

منة من الله وفضل عظيم أن جعل الحسنات التي يقوم بها المرء تمحو السيئات ، فالحسنة بعشر أمثالها ، والسيئة بمثلها ، ومن اتبع السيئة الحسنة محتها ، أي فضل من الله ورحمة أكثر من هذا ، الله لطيف بعباده حقاً .
 روي أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أنه قد أصاب من امرأة قبلة ، فأنزل سبحانه وتعالى في محكم تنزيله :{ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } سورة هود الآية 114 .
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فيما يحكي عن ربه عز وجل قال ( أذنب عبد ذنبًا فقال اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك )
والله أعلم .
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الخطبة مسجلة على قناتي على اليوتيوب 


























عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي